صديقي ... دَرّس مادورو
هاتفني صديقي على غير عادته، الذي لا يرغب في الحديث الهاتفي أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي، غاضباً على اختطاف الرئيس الفنزويلي "نيكولاس مادورو" على يد قوات عسكرية أمريكية في عملية خاطفة "لم تستغرق ساعة واحدة، قلت له على رسلك يا صديقي؛ فالولايات المتحدة لديها قوة عسكرية واستخبارية عظيمة تستطيع ان تصل إلى كل شخص حينما وأينما تريد، وقواتها رابضة في مياه المحيط بالقرب البلاد وأعين استخباراتها وأيديها في قلب العاصمة "كاراكاس" منذ سنوات. ارتفع صوت صديقي الحانق، كأن جوابي أغاضه، قائلاً إنّ هذه العملية لا تعتمد على قوة الولاية المتحدة وأسلحتها فهي الخيانة يا صديقي.
قلت في صوت هادئ، أو كنت حريصاً أنْ أَكونَ هادئً، من غير المعقول أنْ تكون الخيانة؛ فالنظام خلفه، والجماهير كانت تحيط به قبل أيام، وله سنوات طويلة في رأس الحكم، وهو من شَكّلَ نظام الحكم قَرَبَ من يشاء من أهل الثقة وأبعد من لا يثق بهم من المهنيين، ولديه قوة أمنية في كل حي إنْ لم تَكنْ في كل بيت في أنحاء فنزويلا.
قال صديقي أصلاً الخيانة لا تأتي إلا من "أهل الثقة" فهم غير مهنيين ومصالحهم فوق مصالح البلاد، ونجاة أشخاصهم أعلى من نجاة الزعيم أو البلاد والعباد، فيا صديقي لم نرَ تحركاً جدياً من الحكومة الفنزويلية كرد فعل جدّي على عملية الخطف، ولم تتحرك القوات المسلحة للدفاع عن الرئيس، وهي أصلاً في حالة تأهب للتهديدات المستمرة على مدار الأشهر الأخيرة، فمن غير المعقول أنْ تقوم طائرات عمودية بالدخول إلى العاصمة دون ردة فعل تعيق عملها، كأن أمراً مدبراً قد حيق به من جميع أركان حكومته. قلت له ما زالت الأمور غير واضحة ويكتنفها الغموض ولا يمكن إطلاق الأحكام، وفي ظني أنّ الأيام ستكشف الخفايا إنْ كانت مؤامرة، أو تفاهم ما بين الرئيس الفنزويلي مع الإدارة الأمريكية للخروج من الأزمة المتصاعدة لتجنب حربٍ تعصف بما تبقى من مقدرات البلد، أو التضحية به من أجل بقاء نظام الحكم وسلامة البلد، أو ضعف القدرات العسكرية، هي وراء هذا الأمر.
استطرد صديقي قائلاً -في هذه الأثناء هدأ نَفَسُ صديقي، وبات صوته أقل حدّة، واسترجع نبرة الحكمة لبناء استنتاج عقلاني على ما يبدو- درس مادورو، بغض النظر عن عملية الاختطاف ونوايا الإدارة الأمريكية الاستعمارية والهيمنة على الشطر الغربي من الكرة الأرضية وسرقة مقدرات الشعوب في أمريكا اللاتينية، للزعماء في أمريكا اللاتينية والعالم العربي يشير إلى أنّ الحاكم يحتاج إلى التأييد الشعبي لبرنامجه ونهجه، وثقة الجمهور بأشخاص الحكم وعناوينه، ورضا المواطنين عن أداء مؤسسات الحكم، وأنّ هذا المثلث "التأييد والثقة والرضا" غير ممكن تحقيقه في ظل الهيمنة على الحكم لأشخاص محددين ومحدودين لسنوات طويلة، وانتشار الفساد في الطبقة السياسية الحاكمة، وانتشار الفقر والبطالة، وانسداد الأفق أمام الشباب في الانخراط بالعمل العام، ومنع المشاركة في صنع السياسيات واضعاف الملكية العامة، وعدم تلبية البرامج لاحتياجات الناس؛ حتى وإنْ جاء الرئيس من قاع المجتمع فسنوات الحكم وأبهته ومزاياه تنسيه حاجات أمثاله ومن جاء من بعده ضرورات الحياة.
استوقفت صديقي قائلاً: إنّ الشعب الفلسطيني فَقَدَ زعيماً مناصراً لقضيته، قاطعني والغضب بادياً في صوته؛ الشعب الفلسطيني بحاجة إلى قادة يؤمنون بحقوق الإنسان في بلادهم، ويأمنون حياة كريمة لشعوبهم، ويستثمرون ثروات بلادهم لتحصين مجتمعاتهم، ولتقوية دولهم، وازدهار بلدانهم للمساهمة في الحضارة العالمية، ولا يحتاج إلى قادة يهدرون أموال شعوبهم وثرواتهم في الصراخ الخارجي دون اهتمام بقضايا البلد الداخلية. وختم كلامه لو كان الشعب الفنزويلي قابلاً به لخرج عن بكرة أبيه للدفاع عن الرئيس لكن الحال عكس ذلك على ما يبدو فلم نرَ أي تحرك في اللحظات اللازمة وساعة الحاجة؛ فعلى حد القول الشعبي "المتلحف بغير الشعب عريان"، وهو حال من لم يجعل الشعب لحلافاً له، ودفئ جماعته وجيوبهم على حساب الشعب، وأحكم قبضة الأمن على رقاب الناس، ولم يدرك أنّ الكرامة الوطنية لدى الشعوب لا تعني التمسك بالزعيم وجماعته بل في الحفاظ على الوطن وسلامة البلاد.