الزواج :استجابة قسرية لشروط المساعدات في غزة.

2026-01-02 14:05:28

تتعدد الأسباب الطبيعية المرتبطة بالرغبة في الزواج، فمنها الإنساني والنفسي، سواء الحاجة إلى الرفقة أو الدعم العاطفي والاستقرار النفسي، وتقاسم الفرح والحزن. أو لأسباب اجتماعية ودينية تتعلق بالالتزام بالقيم ، أو للسكينة والمودة والاستقرار الأسري، وأحيانًا أخرى لأسباب تتعلق بتكوين الأسرة والانتماء، أو لأسباب بيولوجية كالإنجاب وتلبية حاجات طبيعية فطرية، وأحيانا لأسباب اقتصادية لتقاسم الأعباء المعيشية.

إلى جانب الأسباب الطبيعية للزواج، ظهر في فلسطين نوعان آخران، الأول يرتبط بدافع الحصول على فرصة عمل داخل إسرائيل – علما أن هذا النمط اختفى منذ أكتوبر 2023 نتيجة سياسة الإغلاق التي انتهجتها إسرائيل – وهذا السبب ليس سببًا طبيعيا للزواج بل استجابة قسرية لسياسات يفرضها الاحتلال. والسبب الثاني، الزواج كاستجابة لشروط المساعدات، خاصة في قطاع غزة نتيجة الحاجة الماسة للحصول على المساعدات، خضوعا لما تشترطه بعض المؤسسات، في معايير الوصول إلى المساعدات الإنسانية.

نحن هنا لا نُجْرِي تَقْيِيمًا لمؤسسة الزواج من عدمها، ولكن ربط الحقوق الإنسانية الأساسية (كالعمل والمأكل والملبس والمسكن)، التي كفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية ، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية باشتراطات أو معايير أو أوزان تقييمية على أساس الزواج يتجاهل بشكل خطير حقوق الأفراد، ويربط المساعدة حصراً بالعائلة.

حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني يبلغ عدد السكان في قطاع غزة 2 مليون ومئة ألف نسمة ( يقدر عدد من استشهد أو مفقود أو مصاب حوالي 160 ألف وهو ما يعادل 6% من عدد السكان الإجمالي )، منهم 47% من إجمالي السكان من فئة الأطفال دون سن 18 سنة. بينما يشكل الشباب من عمر 18 -29 سنة حوالي 21%.

وبالاستناد إلى بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني يبلغ  تقديرا عدد غير المتزوجين في قطاع غزة حوالي 556 ألف نسمة ( ما يعادل 26% من عدد السكان)، إذا ما طرحنا عدد الأطفال من مجموع السكان، وعدد النساء المتزوجات أو سبق لهن الزواج (15 سنة فأكثر الذي يبلغ 50%) علما أن هذه النسب مؤشر تقريبي للحالة الزوجية للبالغين مع فروقات بين الذكور والإناث.

هذان الشرطان سبَّبا تحولات اجتماعية مقلقة، حيث لم يعد الزواج علاقة إنسانية قائمة على الاختيار الحر والاستقرار الأسري، بل أصبحا في بعض الحالات يشوِّهان مفهوم  الزواج بسبب تحويله إلى شرط أهلية. وهو زواج هش سريع غير قائم على توافق أو تفاهم، ويسبب ارتفاع حالات العنف الأسري والطلاق واستغلال النساء وبالتالي يصنف هذا الزواج كخيار بقاء لا خيار حياة.

وفي المقابل، يواجه غير المتزوجين — وهم يشكلون ما يقارب 26% من سكان غزة  واقعًا أكثر قسوة، إذ يؤدي ربط المساعدات بالحالة الاجتماعية إلى حرمان شريحة واسعة من الشباب والنساء غير المتزوجين/ات والأفراد الذين يعيشون بمفردهم من حقهم في الدعم الإنساني، رغم حاجتهم الملحة إليه. هذا الحرمان يرسّخ تمييزًا اجتماعيًا غير عادل ويزيد شعور هذه الفئات بالعزلة.

ومع مرور الوقت، تبدأ هذه الممارسات في ترسيخ فكرة الزواج القسري باعتباره  سلوكا مقبولا أو مبررا تحت ضغط الحاجة، مما يهدد قيم المجتمع المرتبطة بالرضا والاختيار الحر، ويؤثر على مكانة المرأة وحقوقها داخل الأسرة وفي المجتمع. وهكذا يتراجع مفهوم الزواج لأسبابه الطبيعية ليصبح وسيلة للحصول على الموارد في ظل ظروف معيشية قاسية.

إن أخطر ما تحمله هذه الأوزان في تقييم الاحتياجات أنها تعد مساسًا بجوهر الكرامة الإنسانية. فعندما يصبح الوصول إلى الغذاء والمأوى مشروطا بتغيير الوضع الاجتماعي للفرد، يتراجع الحق الإنساني لصالح منطق الأهلية، ويتحول الإنسان من صاحب حق إلى متلق مشروط للمساعدة. وهو ما يتعارض مع المبادئ التي يفترض أن تقوم عليها الاستجابة الإنسانية.

وفي النهاية إن ربط المساعدات بالحالة الاجتماعية بالزواج لا يقتصر على كونه خللًا إداريًا في آليات الاستهداف، بل يتجاوز ذلك ليعيد تشكيل المجتمع نفسه، وينتج روابط هشة  ويُراكمُ إضعاف النساء والفتيات، ويقصي غير المتزوجين من شبكات الحماية. لذلك يبقى الأساس أن تقدم المساعدات باعتبارها حقًّا إنسانيًا غير مشروط بالحياة الشخصية للفرد أو خياراته الاجتماعية.