تباشير الانتفاضة الثالثة

2024-08-24 14:57:04

واهم مَن يعتقد أن انفلات المستوطنين في الضفة الغربية واقتحامهم القرى والمدن الفلسطينية، وتخريبهم الممتلكات العامة والخاصة وقتل الرجال والنساء، كل ذلك فعل جماعي أو فردي غائب عن عين الحكومة ولا يلقى تشجيعها ودعمها.

منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، سرقت إسرائيل أكثر من مليوني دونم من أراضي الفلسطينيين وبنت المستوطنات ووسعتها، وحوّلت سلطات كثيرة للمستوطنين تُمكّنهم من مصادرة أراضٍ وممتلكات خاصة والعبث اليومي بحياة الفلسطينيين.

كل ما يحصل للفلسطينيين الآن من تنغيص حياتهم وتدمير ممتلكاتهم ومصادرة أراضيهم، هو سياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى ابتلاع أراضي الضفة الغربية وطرد الشعب الفلسطيني هناك، غير أن الحكومة الإسرائيلية تدعي للعالم أنها بعيدة كل البعد عن إطلاق يد المستوطنين في الضفة.

جهاز الأمن الداخلي "الشاباك" حذر في أكثر من مناسبة من إرهاب المستوطنين، ودعا الحكومة الإسرائيلية إلى إيجاد حل لتطرفهم، وحديثاً نقل رونين بار رئيس الجهاز، مخاوفه إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت من أن اتساع ظاهرة إجرام المستوطنين يشكل تهديداً لأمن إسرائيل.

هناك أكثر من عملية هجوم فردي أو جماعي لمستوطنين في الضفة يومياً، إلى حد أن هذه الجرائم وصلت في عام 2023 أكثر من 490 جريمة، والمشكلة الكبرى أن الحكومة الإسرائيلية هي التي تقدم السلاح للمستوطنين وتدعمهم مادياً حتى يواصلوا جرائمهم.

ثم إن الغالبية العظمى من هذه الجرائم ربما بنسبة 99% تفلت من العقاب، ويقال في الإعلام الإسرائيلي إن الحكومة دعت جهازها الشرَطي لاعتقال المستوطنين المتورطين بأعمال نهب وشغب، غير أنهم لا يدانون وتقيّد الجرائم باسم "مجهول".

حينما تكون هناك حكومة تقف أقصى اليمين وتُشرّع الاستيطان وتحرس المستوطنين بالجنود، فهذا يعني أن إسرائيل موافقة تماماً على كل ما يتعلق بنهج الاستيطان والمستوطنين، فكيف إذا كان هناك في الحكومة وزراء لا يعترفون بفلسطين وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره؟

وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير يُعتبر من أكثر الوزراء حمايةً ودعماً للمستوطنين، وهو الذي حرص بعد عملية "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول الماضي، على تسليحهم وحمايتهم من كل أنواع الملاحقات القضائية والشرطية بعد عمليات التخريب والقتل التي يقومون بها في الضفة.

كذلك الحال بالنسبة لـ"محراك الشر" وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الذي جاهر علانيةً بدعمه إرهاب المستوطنين في الضفة، ويسعى كل الوقت إلى تقليص صلاحيات الجيش الإسرائيلي ونقلها إلى موظفي الخدمة المدنية الذين يدعمون المستوطنين.

أمام كل هذا الصمت الإسرائيلي الرسمي عن جرائم المستوطنين، تشهد الضفة الغربية حالة غليان متصاعدة يوماً بعد يوم، ويبدو أن رئيس الحكومة نتنياهو يرغب في استفزاز الفلسطينيين حتى يوسع من فرص ابتلاع المزيد من أراضي الضفة وتهويدها.

كل حكومة نتنياهو قائمة في الأساس على عدم الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة، وهي لا تقيم وزناً لتحذيرات رئيس "الشاباك" المتكررة بشأن احتمالات تفجر الأوضاع في الضفة الغربية، ومن غير المستبعد أننا سنشهد اليوم أو بعد غد انتفاضة فلسطينية ثالثة ضد كل السياسات الإسرائيلية العنصرية.

المشكلة أن العالم يتفرج كالعادة على الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة ولم يُحرّك ساكناً، وهناك بعض التحركات الخجولة من دول فرادى ضد بعض المستوطنين المتطرفين المتهمين بجرائم ضد الفلسطينيين في الضفة، لكن هذه ليست حلولاً رادعة يمكنها أن تقلق الحكومة الإسرائيلية.

الأَولى أن يتحرك المجتمع الدولي بِشكلٍ عاجلٍ لاتخاذ إجراءات ملموسة ضد الحكومة الإسرائيلية إذا لم تتمكن هي من وقف الإرهاب الاستيطاني، لكن ذلك لن يحث أبداً لأن نتنياهو حصل على شبكة الأمان بسبب دعمه كل السياسات الاستيطانية، وإذا انقلب على المستوطنين فربما سيصبح في خبر كان.

لا ينبغي على المجتمع الدولي أن يُحمّل الفلسطينيين مسؤولية ردود فعلهم على الأفعال والجرائم الإسرائيلية الوحشية في الضفة الغربية، إذ من حقهم -الفلسطينيين- الطبيعي والشرعي الدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم، ويبدو المشهد أننا سنكون أمام مرحلة جديدة من الحراك الفلسطيني المقاوم.

في المحصلة لن "تجني إسرائيل من الشوك العنب"، وكلما أوغلت في تطرفها وزاد عنف المستوطنين وإرهابهم اليومي، توسعت رقعة المواجهات مع الفلسطينيين وزادت حدتها، ولن تحقق معادلة الأمن التي تسعى لها حتى لو ابتلعت كل الضفة الغربية.

إذا كانت تل أبيب تخاف فعلاً على أمنها ومستقبلها، عليها أن تكفّ عن صب الزيت على النار، لأن فكرة الاستيطان وقتل الفلسطينيين وترحيلهم لن تجلب الأمن والأمان لها، والتاريخ يشهد أن الشعب الفلسطيني ظل صامداً مرابطاً بالرغم من كل محاولات استئصاله.