الجامعات الأمريكية وانتخابات جنوب أفريقيا في ميزان الصراع الأمريكي-الصيني

2024-06-08 00:46:14

أظهر التقرير السنوي لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام "SIPRI"، أن إجمالي الإنفاق العسكري العالمي لعام 2023، بلغ 2.443 تريليون دولار في عام 2023، بزيادة 6.8 بالمئة عن 2022. وفي هذا السياق ارتفع الإنفاق العسكري للولايات المتحدة بنسبة 2.3 بالمئة ليصل إلى 916 مليار دولار في 2023، فيما خصّصت الصين -ثاني أكبر منفق عسكري في العالم- ما يقدر بنحو 296 مليار دولار على الجيش ومعداته في 2023، بزيادة قدرها 6 بالمئة عن 2022. وفي خضم الصراع الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين، تتجلّى الاحتجاجات الطلابية في الولايات المتحدة والانتخابات في جنوب أفريقيا كساحتين رئيسيتين لهذا الصراع.

 الاحتجاجات الطلابية في الولايات المتحدة

أصدر معهد أبحاث عدوى الشبكات الأمريكي (NCRI)، تقريراً في أيار/مايو 2024 يشير إلى أن الحزب الشيوعي الصيني لعب دوراً رئيسياً في الانتشار الواسع النطاق للاحتجاجات الطلابية في الولايات المتحدة الداعمة لفلسطين والمنددة بحرب غزة. وزعم التقرير، الذي يحمل عنوان "الاضطراب المعدي: كيف يهدد تأثير الحزب الشيوعي الصيني والأيديولوجيات الراديكالية البنية التحتية الحيوية والجامعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة"، أن الحزب الشيوعي الصيني يتسلل عن بعد إلى المجتمع الأمريكي من خلال المنظمات الموالية للشيوعية في الغرب لتحقيق نيته الخبيثة المتمثلة في تعطيل الحياة الأمريكية.

تكشف الاتهامات الأمريكية التي تشير إلى دور خفي للحزب الشيوعي الصيني في إثارة الاحتجاجات الطلابية المؤيدة لفلسطين، عن محاولة أمريكية لتوجيه الأنظار نحو الصين كخصم استراتيجي يتدخل في الشؤون الداخلية للدول الديمقراطية.

تسعى واشنطن لتحويل الانتباه عن الانقسامات السياسية والاحتجاجات الاجتماعية الداخلية من خلال تسليط الضوء على التدخلات الصينية المزعومة، كما تهدف إلى تصوير الصين كتهديد مشترك للديمقراطيات الغربية، وذلك لحشد الدعم الدولي اللازم لمواجهة التوسع والنفوذ الصيني.

انتخابات جنوب أفريقيا

أدى موقف جنوب أفريقيا الصارم ضد إسرائيل برفع قضية أمام أعلى هيئة قضائية دولية إلى دفع الولايات المتحدة لدعم المعارضة بهدف تغيير الحكومة إلى أخرى تكون أكثر توافقاً مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية، حيث تتخوّف واشنطن من أن محاكمة الاحتلال قد تؤدي إلى  إدانة الشركات الأمريكية التي زوّدتها بأسلحة القتل والدمار، وبدعم مالي رسمي بموافقة الكونغرس الأمريكي. وقد توّعدت وزيرة العلاقات الدولية والتعاون في جنوب افريقيا "ناليدي باندور" واشنطن علانيةً بقولها أن "الولايات المتحدة ستكون التالية في الملاحقة القضائية بعد إسرائيل".

تجدر الإشارة إلى أن المعارضة الجنوب أفريقية تحظى بعلاقات ممتازة مع الإدارة الأمريكية، وكانت قد طلبت بشكل رسمي في شهر آذار/ مارس 2024 مراقبين أمريكيين للانتخابات العامة. ويهدف هذا الدعم الأمريكي إلى تقويض حكومة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، الذي يقود البلاد منذ انتهاء نظام الفصل العنصري، وتعزيز النفوذ الأمريكي في القارة الأفريقية في مواجهة التواجد الصيني المتزايد، لا سيّما في  جنوب أفريقيا التي تعتبر واحدة من الدول التي تتمتع فيها بكين بنفوذ اقتصادي واستراتيجي كبير.

فقد حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الأغلبية المطلقة في الانتخابات البرلمانية، حيث حصل على 40% من الأصوات، مقارنة بـ57.5% في التصويت البرلماني لعام 2019.  على الرغم من ذلك، لا يزال هو الحزب الأكبر بدون أن يكون قادراً على الحكم بمفرده. ومن المقرر أن يجتمع البرلمان الجديد بحلول 16 يونيو/حزيران 2024، وسيكون أحد أول مهامه اختيار رئيس البلاد.

خاتمة

تعتمد السياسات الأمريكية تجاه الصين وجنوب أفريقيا على مزيج من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والإعلامية. تشمل هذه الاستراتيجية استخدام الدبلوماسية بشكل علني وسري لتوجيه الاتهامات وتقديم الدعم المالي والسياسي للجهات الموالية. بالإضافة إلى ذلك، تعمل الولايات المتحدة على بناء تحالفات دولية قوية لمواجهة التحديات الصينية، وذلك من خلال التنسيق مع الدول الأوروبية ودول آسيا والمحيط الهادئ.

يكشف الصراع الأمريكي-الصيني في مجال الاحتجاجات الطلابية في الولايات المتحدة والانتخابات في جنوب أفريقيا عن استراتيجية معقدة تهدف إلى تعزيز الهيمنة والنفوذ الأمريكي. إذ تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق أهدافها من خلال تحويل الأنظار عن مشكلاتها الداخلية وتعزيز التحالفات الدولية ضد الصين، بالإضافة إلى العمل على تقويض النفوذ الصيني المتزايد في القارة الأفريقية.

ويظل الافتراض السائد هو أنّ حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، والتي يشنها الاحتلال الإسرائيلي منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ستعيد تشكيل منظومة العلاقات الدولية في المنطقة والشرق الأوسط والعالم برمّته، وتعزّز المقاربات المطروحة في هذا المقال هذا الافتراض.