غموض مبادرة بايدن
طرح اول أمس الجمعة 31 مايو الماضي الرئيس بايدن مبادرة من 3 مراحل، وهي المرة الأولى، التي يبادر للإعلان عنها الرئيس الأميركي من منصة البيت الأبيض، وكأنه شاء القفز عن نتنياهو وحكومته، مؤكدا لها أنه آن الاوان لوضع نهاية لحرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني المتواصلة منذ 8 شهور. لأن انتخابات الرئاسة الأميركية باتت على الأبواب في نوفمبر القادم، وخشيته من فقدان المزيد من رصيد شعبيته المتآكلة، والتي قد تفقده البقاء في سدة الحكم لولاية ثانية، وكونه لم يعد مستعدا لتحمل مناورات رئيس حكومة الحرب والابادة الإسرائيلية، الساعية للمماطلة والتسويف حتى نهاية ولايته ومجيء ترامب الجمهوري، وهو ما أدركه البيت الأبيض، الذي لولا قيادته حرب الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني، وتقديمه المال والسلاح والدعم السياسي والديبلوماسي والإعلامي، ونقل حاملات طائراته وغواصاته النووية وبوارجه وقواته العسكرية لما صمدت إسرائيل طويلا، وكونه صاحب الباع الطويل في الحرب على قطاع غزة ولقناعة الإدارة الأميركية بأن ادامة الحرب باتت تشكل ارباكا وحرجا شديدا لها على المستويين الداخلي والخارجي، وفي الوقت نفسه تعمق ازمة وعزلة إسرائيل الأداة الوظيفية، لذا أعلن بايدن المبادرة الغامضة. لأنها بقدر ما تنادي بوقف الحرب، بقدر ما شابها الالتباس والضبابية.
والمبادرة ليست جديدة بالمعنى الدقيق للكلمة، حيث جرى التداول بمكوناتها ال3 خلال الشهور ال4 الماضية، حاول فيها تحميل حماس المسؤولية عن ادامة الحرب في حال رفضتها، رغم انها كانت وافقت سابقا على التعاطي الإيجابي معها، وأول أمس عادت اكدت استعدادها للتعاطي معها، ولم يشر لتحميل ادارته وإسرائيل المسؤولية. رغم ان المبادرة القديمة الجديدة تشوبها نواقص عديدة، ففي المرحلة الثانية لم يحدد لها نهاية، وتركها مفتوحة، حيث ورد فيها، بقاء المفاوضات مستمرة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي (الأميركي) بعد الافراج عن الرهائن الإسرائيليين وبعض أسرى الحرية الفلسطينيين، وكأنه أراد لإسرائيل مواصلة عملياتها الحربية الانتقائية ضد أبناء الشعب الفلسطيني.
كما ان مبادرة ساكن البيت الأبيض لم تحدد من هي الجهة الفلسطينية، التي ستتولى المسؤولية عن قطاع غزة. لا سيما وانه (بايدن) أكد رفضه تولي حركة حماس المسؤولية فيه، وفي نفس الوقت، لم يشر من قريب او بعيد لتولي الحكومة الفلسطينية المسؤولية، وترك الباب مواربا لحكم قوى محلية من أبناء القطاع مع وجود قوى عربية ودولية لإدارة القطاع متساوقا مع رؤية نتنياهو وحكومته الرافضة تولي الدولة الفلسطينية صاحبة الولاية الأساسية على الشعب مسؤولياتها تجاه مواطنيها في القطاع.
أضف الى ان بايدن لم يقل كيف سيتم إعادة الاعمار في غزة؟ ومن سيتولى هذه المهمة؟ وما هي الفترة الزمنية المحددة لإعادة الاعمار؟ ومن هي الجهات المانحة التي ستتحمل تبعات التمويل لتنفيذ مهمة إعادة الاعمار؟ وما هو دور الدول المانحة في القطاع؟ هل ستكون وصية على حكم القطاع؟ وما هي الفترة الانتقالية لحكم هذه الدول؟ وما هي مسؤولية إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية التي دمرت مئات الالاف من الوحدات السكنية والجامعات والمدارس والمعابد والمؤسسات الرسمية، وقتلت وجرحت عشرات الالاف من أبناء الشعب الفلسطيني؟ والسؤال الأسبق على ما تقدم، هل موافقة نتنياهو ومجلس الحرب أمس السبت على المبادرة لها مصداقية، أم أنها مناورة جديدة للالتفاف على الضغوط الأميركية والعالمية ومحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية؟ وهل ستلتزم إسرائيل بوقف الحرب بشكل دائم، ام انها ستواصل عمليات الاغتيال والقتل لأبناء الشعب الفلسطيني وفقا للرؤية الأميركية واجندتها الناظمة لسياساتها الاجرامية ومخطط التطهير العرقي؟ ولماذا تحصر المفاوضات بين حركة حماس وإسرائيل؟ ولماذا لا تفسح المجال امام منظمة التحرير لتولي مهامها في المفاوضات، كونها صاحبة الولاية، وهي من وقع على اتفاقيات أوسلو؟ وبالأساس لماذا حركة حماس تصر على إدارة المفاوضات لوحدها، وترفض استحضار تجربة 2014 بوجود ممثلي منظمة التحرير؟
وكذا سؤال رئيس، ماذا عن اليوم التالي للحرب؟ وأين المؤتمر الدولي للسلام لتجسيد خيار حل الدولتين على حدود 4 يونيو 1967 من مراحل المبادرة؟ وهل لدى الإدارة الأميركية المصداقية باستقلال دولة فلسطين؟ وإذا كان الامر كذلك، هل لديها الان الاستعداد لعدم استخدام حق النقض / الفيتو ضد رفع مكانة الدولة الفلسطينية لدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة؟ وفي السياق من سيتولى إدارة المعابر الفلسطينية جميعها وفي المقدمة منها معبر رفح البري؟ وهل ستسمح إدارة بايدن قبل رحيلها بالضغط على إسرائيل لفتح الممر الآمن بين جناحي الوطن؟ وهل لديها الجاهزية والاستعداد لفتح القنصلية الأميركية في القدس العاصمة، وفتح الممثلية الفلسطينية في واشنطن، وفتح بيت الشرق وعودة ممثلو دولة فلسطين لممارسة مهامهم فيه، ورفع منظمة التحرير من قوائم الإرهاب، والكف عن ملاحقة ملف اللاجئين الفلسطينيين ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الاونروا"؟
أسئلة كثيرة تطرح نفسها على الكاتب واي مراقب سياسي او اعلامي. وعليه رغم تأكيد القيادة الفلسطينية إصرارها على وقف حرب الإبادة الجماعية فورا وبشكل دائم لإنقاذ أبناء الشعب من حرب الأرض المحروقة الإسرائيلية الأميركية، الا انها ترغب بوضوح محددات مبادرة الرئيس الأميركي بمختلف النقاط والاسئلة المثارة، ولا يمكن لها ان تشتري سمك في البحر دون معرفة ماهية السمك وحجمه ووزنه وصلاحيته. لذا لا تتعجلوا الركض في متاهة المبادرة الغامضة