المقاومة وفكرة الأنفاق وصمود الناس
راج إعلاميا المقارنة بين الأنفاق المحفورة داخل قطاع غزة وبين سلسلة أو شبكة الأنفاق المعقدة في فيتنام وخاصة أنفاق "كو تشي منغ" العسكرية، وغاب أو غُيّب عن القراء أن الأنفاق في فيتنام أقيمت لحماية الفلاحين الفيتناميين والجماهير أساسًا، أي لحماية الناس الذين قرروا الصمود في قراهم فبنيت لحمايتهم أولًا وهو أساس الفكرة التي التقطها الفيتناميون من اليابان.[2]
يقول الكاتب اللواء كامل العربي أن "الأنفاق أسلوبٌ قتالي تستخدمه المُقاوَمَة لتأمين الحركة والمباغتة والحماية حتى في المناطق غير الصالحة لحرب العصابات. وقد أُطلق على هذا الأسلوب تجاوزاً اسم حرب، مع أنها جزء من أساليب حرب العصابات لمجابهة التفوق المعادي".
وأضاف أن "الأنفاق هي عبارة عن ممرات أرضية تستخدم لقطع مسافات يصعب التحرك فيها فوق الارض؛ لتحقيق مبدأ التماس مع العدو أو الامداد والانتقال من مكان لآخر. وتعتمد استِراتيجية الأنفاق على مبدأ الحركة الخفية الآمنة؛ لمواجهة العدو بشكلٍ مفاجئ في مكان وزمان لا يمكن أن يتوقعهما."[3]
وعلى مدار التاريخ استخدم تكتيك الأنفاق عسكريًا ومدنيًا لدى العراقيين الآشوريين من 4000 سنة، والرومان والفرس...الخ، واستخدمها السكان المحاصرون لأغراض مختلفة من بينها للحماية والاختباء من الأعداء.
وإسلاميًا كانت معركة الخندق نموذجًا في توقّي الغزو، فيما قام سيد البشرية عليه السلام بالحفاظ على المدنيين من كبار السن والنساء والأطفال في حصن بني حارثة لحمايتهم وتأمينهم.
وفي العصر الحديث استخدمت في الحرب الأهلية الامريكية (1864م) وفي الحربين الأوربيتين (المسماة العالميتين) الأولى والثانية، ويشار الى "خط ماجينو" النفقي الفرنسي الذي فشل رغم براعة البناء أمام القوات الألمانية (عام 1940م)، كما استخدمت من قبل اليابان، والصين وفي الثورة الكورية والفيتنامية.
نموذج الأنفاق في فيتنام
بعد أن عبّرت عن رفضها المقارنة بين أنفاق فلسطين وأنفاق فيتنام بشدة! تقول المناضلة الفيتنامية الجدة "هان لي" في لقاء معها في استراليا شهر مايو العام 2024 عن أنفاق الناس المدنيين التالي: أنه "في أثناء الحرب العالمية الثانية كانت حمّى بناء الأنفاق في قرى وسط الفيتنام، وكانت وسائل الحفر بدائية تعتمد على القوى الجسدية، فلا يوجد معدات حفر خاصة، لكن كان هناك تعاون كبير من جميع أفراد المجتمع. و كانت بداية الأنفاق هي غرف النوم الصغيرة لعائلات الفلاحين وهي غرف يتم تصميمها بشكل ضيق جداً لكن لها منفس هوائي كي يتمكن الناس من النوم فيها بشكل مريح داخلها. وكان كل حي نفقي يتكون من عشرين إلى ثلاثين غرفة نفقية. وهذا الحي النفقي تحت الأرض يكون منفصل عن الأحياء النفقية الأخرى بنفس القرية، وكان كل حي نفقي له ثلاثة مخارج رئيسية يقف داخله كل منها جندي حماية، كما للحي النفقي ثلاث مخارج مخفية يمكن حفر أبوابها في حالات الطوارئ أي الاختناق من الدخان. وفي مراحل لاحقة تم حفر نفق تحت كل حي نفقي من أجل الهروب من ارتجاج القنابل، والتي كانت تشكل خطراً كبيراً على حياة الناس."[4]
وتضيف "تحت هذا النفق يوجد نفق ثالث وهو نفق التموين حيث يتم حفظ الأرز والحبوب، ونفق التموين هذا له ممرات خاصة يمكن من خلالها الذهاب إلى الأحياء النفقية المجاورة أوحتى الوصول إلى القرى المجاورة."[5]
أما موقع المنتدى العربي للدفاع والتسليح فيقول "ٱستخدمت تلك الأنفاق لأيواء المقاتلين الفيتاميين وكذلك المدنيين، وكانت تستعمل للحمايه من غارات الطائرات وكذلك للإحتماء والإختباء من القوات الامريكيه وشن هجمات وغارت خاطفه ضد القوات الامركيه وكانت قاعدة لقوات الفيتكونغ اضافه الى خط للتواصل والعبور إلى مناطق أخرى".[6]
أما ما راج مؤخرًا عن الأنفاق العسكرية في فيتنام وهي نموذج فيتنامي آخر فلقد تحول مؤخرًا الى معلم سياحي في فيتنام، فهي أنفاق "كو تشي منغ" التي تصفها المناضلة الفيتنامية التي شاركت في معركة تيت الشهيرة[7] في فيتنام عام 1968م بالتالي: "هذه الأنفاق تستخدم داخل مناطق العدو، وليست لها مخارج طوارئ، وهي مبنية بطريقة حلزونية" مضيفة أنه "في البداية كانت هذه الأنفاق للخدمات، أي أنها أصبحت أهم وسائل لإدخال الأسلحة والذخيرة لثوار جنوب الفيتنام، وبعدها تم توسعتها بشكل أكبر وبناء مستعمرات عسكرية كبيرة تشمل على مستشفيات ومراكز تدريب ومصانع ذخيرة وكذلك مطابخ ووحدات لصيانة الأسلحة والمعدات العسكرية. وكانت خريطة هذه الأنفاق معقدة للغاية، وبحاجة لتدريب عسكري أو دليل يرشد الثوار إلى المكان المناسب."
وبسؤالنا الفريق نصر يوسف (15/5/2024م)[8] عن الأنفاق الفيتنامية التي كان قد زارها في السبعينات أو الستينيات من القرن العشرين أشار للاستخدام المدني للأنفاق، كما أشار للاستخدامات العسكرية لأنفاق أخرى.
أما في فلسطين فلقد كان اسماعيل هنية (نائب رئيس حركة "حماس" آنذاك) من أوائل من أشار لبناء الأنفاق في داخل قطاع غزة وذلك عام 2016 حين صرح قائلًا: إن تنظيمه قد حفر أنفاقا في غزة يفوق عددها تلك التي حفرت في فيتنام!؟[9]
وكان قد صرح بخطبته أعلاه ما نصّه"أن "كتائب القسام"حفرت الأنفاق لتدافع عن غزة، ولتجعلها نقطة الانطلاق نحو كل فلسطين".[10] ومؤكدًا أيضًا أنها: "حفرت اﻷنفاق لتحمي شعبها وتحرر أقصاها ومقدساتها." ومشددًا بفخر: "أن غزة صنعت أنفاقًا للمقاومة بأيد شبابها الطاهر والمقاوم ضعف أنفاق فيتنام التي تدرس في المدارس العسكرية، والتي يقرأ عنها العسكريون ويخطط من خلالها الاستراتيجيون".
رغم أن أنفاق فيتنام الأصلية هي الأنفاق المدنية أي لحماية الجماهيروالناس وتواصلهم، ثم العسكرية وهي الأنفاق التي بنيت أساسًا على مدى 25 عامًا، بحيث "بدأت في وقت ما في أواخر 1940م خلال الحرب ضد الفرنسيين. واستخدمت الحفريات في الغالب للاتصال بين القرى، والتهرب من مداهمات الجيش الفرنسي في المنطقة. وعندما تشكلت جبهة التحرير الوطني الفيتنامية عام 1960 تقريبا تم إصلاح تلك الأنفاق كما تم التوسع فيها وفي غضون بضع سنوات أصبحت جاهزة للإستخدام بشكل أفضل".[11]
الثورة (المقاومة) الفلسطينية والأنفاق
فكرة الأنفاق تنقلت تاريخيًا بين الدول والثورات، ومن اليابان الى فيتنام وغيرها، وهي في فلسطين مع انطلاقة المقاومة الفلسطينية عام 1965 وتجربة الأردن، ثم في لبنان، ثم عبر قطاع غزة قائمة منذ زمن أبعد من وجود فصيل "حماس" وسيطرته على غزة.
يقول الكاتب معين أحمد محمود بكتابه العمل الفدائي الصادرعام 1969 "إن تجارب الشعوب معين لا ينضب تعين الثورات في مسيرتها الطويلة. ولعل قصة إنشاء الأنفاق والخنادق داخل قرية الكرامة (في الأردن عام 1968) دليل حيّ على ذلك. فالتجربة سبقت أن طبقتها حركة المقاومة في فيتنام، وجاءت قوات المقاومة وطبقتها في الكرامة وشرقي الأردن".
مضيفًا "لم يكن في استطاعة القرية الصغيرة التي بنيت كل بيوتها من الطين والحجارة ورحل كل أهلها ولم يبق من سكانها ال30 ألفًا سوى عدد من المزارعين وعائلاتهم....أن تصمد طوال 15 ساعة من القتال المستمر لقوات يبلغ عددها 15 ألف جندي إسرائيلي معززة ب100 طائرة و200 دبابة وعربة نصف جنزير. لقد شهدت القرية طوال الأسبوع السابق على المعركة نشاطًا كبيرًا من شباب المقاومة تم خلاله حفر أنفاق أرضية تصل بين أول القرية وآخرها. ..... وكانت المفاجأة التي واجهت العدو فلقد خرج عليهم الرجال من كل مكان وبدأ القتال الرهيب بالرشاشات والبنادق والقنابل اليدوية بل وامتد حتى أصبح بالسلاح الابيض فكان هذاالتكتيك عاملًا هامًا آخر بين العوامل التي حسمت المعركة وحولتها الى صالح القوة العربية".
مضيفًا: "نشبت معركة أسطورية خاضها رجال المقاومة العربية ضد جنود الجيش الإسرائيلي من بيت لبيت ومن شارع لشارع، خرج الفدائيون من داخل الأنفاق وكان الالتحام"[12]
مع صعود نجم المقاومة والثورة الفلسطينية في الستينات والسبعينات من القرن العشرين ظهرت تجربة الأنفاق في جنوب لبنان بشكل مختلف حيث يشير تقرير لصحيفة الشرق الأوسط بتاريخ (4/2/2015م)[13] الى أن حزب الله قد استفاد من تجربة الأنفاق التي كان المقاتلون الفلسطينيون حفروها في جنوب لبنان، قبل اجتياح "إسرائيل" للجنوب عام 1982، وبدأ بالاعتماد على الأنفاق فعليا بعد سنوات قليلة من إطلاق عملياته العسكرية ضد "إسرائيل"، أي في التسعينات.
وحول الأنفاق الفلسطينية في لبنان وفي لقاء لنا (14/5/2024م) مع محمود العالول (أبوجهاد) نائب رئيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح بمكتبه في رام الله أشار لأساليب ثلاثة استخدمت في حماية المدنيين والدفاع عنهم وعن كوادر الثور أو المقاومة الفلسطينية تلك الفترة
أولها الأنفاق والتي استخدمت أساسًا للتخزين سواء للأسلحة والذخيرة والطعام أوالمواد اللوجستية الأخرى
وثانيها الملاجيء تحت البنايات والتي استخدمت للوقاية من قصف الطائرات، رغم أن الإسرائيلي تلك الفترة كان يوجه معظم هجماته ضد قواعد القوات الفلسطينية، وليس المدنيين اللبنانيين، فالظرف وقواعد الحرب كانت مختلفة.
وثالثها: "الحفر البرميلية" التي كان يحفرها كل شخص بطوله أي بطول الانسان، وخاصة المقاتلين لحماية أنفسهم من قصف الطائرات الصهيونية.
وأشارأبوجهاد لحادثة جرت معه في معسكر الناعمة-لبنان آنذاك، حيث كان يتم تدريب 40 رجل وامرأة من ثوارالمدن أوالمقاومين اليساريين من الأرجنتين "مونتينيروز"[14]، حيث تعرضوا في المعسكر الذي أقاموا به لغارات شديدة ومباشرة من الطائرات المقاتلة الإسرائيلية، ولكن لم يتأذى منهم أحد لأن كل شخص لازم حفرته التي حفرها بنفسه للحماية من القصف.
وفي لقاء لاحق مع محمد قاروط أبورحمه[15] أشار للأنفاق التي كانت في قلعة الشقيف (أرنون) في لبنان والتي تم حفرها لأجل الدفاع وتخزين المواد اللوجستية، وأشار الى أنها ساهمت في تحقيق الصمود الأسطوري في القلعة عام 1981م وعام 1982م.
إضافة لاستثمار المقاومة الفلسطينية في لبنان للكهوف (المُغُر جمع مغارة) الطبيعية التي استخدمت كما هي، أو تم إعادة تأهيلها كمخابيء أو نقاط انطلاق للعمليات الفدائية ضد الاحتلال الصهيوني.
الأنفاق في غزة، أنفاق تجارية وأخرى استراتيجية لقادة "حماس"
الأنفاق في قطاع غزة هي أنفاق حفرها الفلسطينيون سكان قطاع غزة بشكل سري تحت الأرض، تحت محور صلاح الدين (المسمى إسرائيليًا فيلادلفيا) على طول الحدود بين مصر وقطاع غزة.[16] والموسوعة الحرة تفترض خطأ أنه تم حفرها بهدف كسر الحصار المفروض على قطاع غزة وتهريب الوقود والغذاء والأسلحة والسلع الأخرى إلى قطاع غزة، بينما بالحقيقة هي وجدت قبل ذلك إذ أنها حفرت بالأصل لتهريب البضائع الى غزة من مصر وبالعكس في الثمانينات من القرن العشرين أي إبان الاحتلال الصهيوني لقطاع غزة، وبعض المصادر يرجع حفر الأنفاق لسنوات أسبق من ذلك .[17]
يشار الى أنه بعد معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، (اتفاقية كامب ديفد) تم تقسيم مدينة رفح، في جنوب قطاع غزة، حيث وقع جزء من رفح في الجزء الجنوبي من غزة، والجزء الأصغر من المدينة يقع في مصر. ومنذ ذاك الحين بدأ ظهور الأنفاق.
بعد انسحاب الاحتلال الصهيوني من غزة عام 2005، وُضِع محور صلاح الدين[18] تحت سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية حتى عام 2007، عندما سيطرت "حماس" على السلطة بالقوة العسكرية الدموية في 2007، ما أسمتها "حماس" "الحسم العسكري" وأغلقت مصر و"إسرائيل" الحدود مع قطاع غزة.[19]
و"تتنوع الأنفاق –التجارية-بين مصر وقطاع غزة والتى تتبع "حماس" ما بين أنفاق خاصة تابعة للحركة فقط، وأنفاق عامة للآخرين، ويكلف حفر النفق الواحد نحو80 ألف دولار، حسب حجمه وطوله، وإذا ما عمل بشكل متواصل فقد يصل دخل النفق الواحد إلى 300 ألف دولار شهريًا. ويقدر الخبراء الإسرائيليون والأمريكيون حجم تجارة الأنفاق بنحو10 مليارات دولار سنويًا تشمل تهريب جميع أنواع البضائع والسلع ويأتى فى مقدمتها المنتجات الغذائية والأسلحة."[20]
ويضيف الكاتب أحمد جمعة: " أن "حماس" فى الأعوام السابقة شكلت لجنة خاصة للأنفاق، مهمتها الإشراف عليها وتحديد الضريبة المناسبة على كل بضاعة مهربة وتحصيلها من أصحاب هذه الأنفاق، وأعطت هذه اللجنة للأنفاق صفة الشرعية وتراقب هذه اللجنة وترصد كل النشاطات والتحركات، وتضع مراقبين على بوابات الأنفاق، وهى مختصة بمنح تراخيص لفتح أنفاق جديدة، وهذه تتطلب قدرة من المتقدم على الوفاء بالتزامات مالية كبيرة، وكثيرًا ما قبلت اللجنة منح تراخيص لأنفاق جديدة، وتقدر مصر حجم تجارة الأنفاق بمليار دولار سنويًا." وموضحًا أن "تجارة الأنفاق كانت تسهم بـ15% من ميزانية فصيل "حماس"، فيما تحصل على دخل آخر من خلال الضرائب التى يدفعها الناس، ناهيك عن الدعم الذى كانت تتلقاه من إيران وسوريا"، الى أن يقول ضمن عوامل أخرى حول الأنفاق والمعابر ومنها معبر رفح أن "حماس تريد أن تبسط سيطرتها على إدارته وهو أحد مخططات الحركة لخلق كيان مستقل عن السلطة الفلسطينية".
وأشار تقرير صدر عام 2015 عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إلى أنه بين عامي 2007 تاريخ انقلاب "حماس" (الحسم العسكري كما أسمته) على السلطة الوطنية الفلسطينية و2013، كان هناك أكثر من 1532 نفقًا تحت الحدود للتخفيف من تأثير الحصار على غزة. تم إغلاقها بحلول منتصف عام 2013. وكان حجم تجارة الأنفاق أكبر من حجم التجارة عبر القنوات الرسمية.
واستخدمت الأنفاق (التجارية) من رفح الى مصر في مراحل المد الإسلاموي المتطرف في هروب أو إيواء أو إمداد وتدريب العناصر الإسلاموية المتطرفة في سيناء خاصة بعد العام 2011م، ما دعا بالحكومة المصرية لاحقًا الى تدميرها بأشكال متعددة في إطار حربها على "داعش" سيناء، والتطرف الإسلاموي. وأحيانًا ما تم محاصرة التطرف الاسلاموي بالتنسيق والتعاون مع فئات بحركة حماس بالقطاع. [21]
الأنفاق العسكرية الاستراتيجية
يذكرالكاتب سعد الوحيدي على موقع الجزيرة القطرية أنه مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، التي أشعلها الشعب الفلسطيني والخالد ياسر عرفات ردًا على النقض الصهيوني للاتفاقيات والالتفاف على الدولة الفلسطينية، وردًا على اقتحام شارون الاستفزازي للمسجد الأقصى بالقدس سعت "الفصائل الفلسطينية إلى استغلال هذه الأنفاق لتهريب السلاح إلى القطاع، وتطوير ترسانتها المحلية عبر جلب بنادق الكلاشنكوف وقاذفات الـ"آر بي جي" والرشاشات المتوسطة، من خلال طرق التهريب المتشعبة التي تبدأ من رفح وتمتد إلى دول الإقليم من مصر والسودان إلى اليمن وإيران"[22]. وذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" مؤخرا أن شبكة الأنفاق في غزة، تعتبر أكبر من شبكة قطار أنفاق لندن، وهي محصنة ضد طائرة الاستطلاع الاسرائيلية والضربات الجوية الأخرى.
مع ظهور ما سمي بالربيع العربي وما شابهُ وخالطه من تعملق التيارات الاسلاموية المتطرفة ومنه في شبه جزيرة سيناء المصرية، ودور الأنفاق السلبي-ومنها أنفاق رفح- لدعم هذه التيارات المتطرفة بسيناء وفي عام 2009، بدأت مصر في بناء حاجز تحت الأرض لسد الأنفاق القائمة وجعل حفر الأنفاق الجديدة أكثر صعوبة. وفي عام 2011، خففت مصر القيود على حدودها مع قطاع غزة، مما سمح للفلسطينيين بالعبور بحُرّية. وفي الفترة بين 2013 و2014، دمّر الجيش المصري معظم أنفاق التهريب البالغ عددها 1200.[23]
يشير الكاتب نظير مجلي[24] أنه قبل 10 سنوات بالضبط، في أكتوبر (تشرين الأول) سنة 2013، أعلن الجيش الإسرائيلي عن اكتشاف ما أسماه "أول نفق هجومي ضد "إسرائيل"" في قطاع غزة. كان ذلك النفق بطول 800 متر، يبدأ في الحي الشرقي من مدينة خان يونس، ويمتد 100 متر داخل المناطق الإسرائيلية، وعلى عمق 20 متراً تحت الأرض، وبلغ عرضه وارتفاعه مترين.
يوجد 4 أنواع من الأنفاق في قطاع غزة أولها الأنفاق التجارية أي المخصصة لتهريب البضائع المختلفة من رفح الى مصر والعكس، وهي التي أدت مع الزمن وسيطرة فصيل حماس على الأنفاق لازدهار السوق السوداء في القطاع وانتشار الإتاوات والخاوات والفساد الكبير.
إلا أن الكاتب الوحيدي يقول-عن الأنفاق داخل القطاع ذاته- أنه تم تدشين ما أسماه "السلاح الإستراتيجي" عبر تشكيل وحدات متخصصة في حفر الأنفاق، وتدشين عشرات الكيلومترات من هذه الأنفاق التي انقسمت إلى 3 أنواع كما يذكر: "الأنفاق الهجومية: وهي مخصصة لاختراق الحدود مع الأرض المحتلة، وشن هجمات، إضافة للأنفاق المخصصة كمرابض لراجمات الصواريخ ومدافع الهاون... ثم ما أسماها الأنفاق الدفاعية: وتستخدم داخل الأراضي الفلسطينية بغزة، وثالثها الأنفاق اللوجيستية: وتستخدم كغرف قيادة وسيطرة لإدارة المعارك وتوجيه المقاتلين، وإقامة القادة الميدانيين، وتخزين الذخائر والعتاد العسكري وتجمع زمر المقاتلين، كما تضم غرف ومقاسم الاتصالات السلكية الداخلية للمقاومة."[25]
في السياق لم تكن لأي من أنواع الأنفاق الأربعة لسوء الحظ أن كان منها أي نوع لحماية الجماهير من القصف والإبادة والقتل الذي استمر لأكثر من خمسة الى ستة حروب عدوانية في القطاع ، وهو ما أكده د.موسى أبومرزوق بتصريحه المثير حين تبرأ من مسؤوليته عن الجماهيروحمايتها، حين قال علنًا أن: "الأنفاق لنحمي أنفسنا من الطيران، أما قطاع غزة ف75% فهم لاجئين ومسؤلية الامم المتحدة والاحتلال حمايتهم"!؟[26] ما يعني انعدام الاستفادة من تجربة الثورة الفيتنامية التي كرست فكرة الأنفاق أولًا لحماية الناس وهذه عقدة استراتيجية غابت عن العقل المقاتل وتعد بألف غلطة كما هو حال الكارثة التي حلّت بقطاع غزة بعد أحداث طوفان الأقصى المشهودة يوم 7/10/2023م.
أنفاق حزب الله
شكلت أنفاق حزب الله في جنوب لبنان الى شمال الداخل الفلسطيني هلعًا لدى الصهاينة والى ذلك كما تقول التحليلات : "تنطلق المخاوف الإسرائيلية من أنفاق حزب الله من 3 معطيات أساسية، أولها أن الحزب كشف في أكثر من مناسبة عن وجود أنفاق لديه، يستعملها لمواجهة الإسرائيليين، بعضها يتسع لسيارات وآليات ثقيلة، وصولا إلى الصواريخ البعيدة المدى التي يعتقد أنه يمتلكها، والتي لا يمكن أن يحتفظ بها فوق الأرض. أما المعطى الثاني، فهو أن حزب الله هو من درّب فصيلي تنظيم حماس و«الجهاد الإسلامي» على حفر الأنفاق، و بتهريب آلات حفر إليهما استخدمت في بناء الأنفاق التي استعملت للتهريب تحت الحدود المصرية، وكذلك في الحفر تحت المواقع الإسرائيلية لتنفيذ عمليات هجومية كما حدث في حرب الصيف الماضي في قطاع غزة. وقالت الإذاعة الإسرائيلية أخيرًا إن الأنفاق المكتشفة في غزة باتت تثير مخاوف من إمكانية حفر حزب الله أنفاقا تصل إلى المستوطنات لا سيما في ضوء إمكاناته المادية والتقنية التي تفوق بأضعاف إمكانات حماس. أما المعطى الثالث، فهو تهديدات أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله الذي دعا في أكثر من مناسبة مقاتليه للاستعداد لاحتلال قرى الجليل ( )، وهو ما لم يجد له السكان تفسيرا سوى أن الحزب قد حفر بالفعل أنفاقا تحت مستوطناتهم."![27]
وقال الخبير بالشؤون العربية "دورون بيسكين" للإذاعة الإسرائيلية: «منذ عام 2006 هناك كثير من التقارير العلنية في وسائل الإعلام العربية وغيرها، تتحدث عن وجود أنفاق في جنوب لبنان، وحزب الله لم يحاول إخفاء أنه يوسع شبكة أنفاقه، وما هو معروف أنه من جنوب الليطاني وحتى الحدود الإسرائيلية توجد شبكة أنفاق تابعة لحزب الله، ونحن نتحدث عن أنفاق إذا ما قارناها بما يحدث في غزة، فإن الأمر يبدو كلعبة أطفال مقابل ما يوجد لدى حزب الله".
الخبرة والاستخدام
إن منظمة حزب الله منذ أواسط سنوات التسعينات تستخدم الأنفاق، أي إن لديها خبرة أكثر من 20 سنة، وقد نقل الحزب هذه المعرفة ل"حماس"، فضلا عن أن الموارد المالية لدى حزب الله أكبر من موارد "حماس".
ولفت بيسكين إلى أن "طبيعة الأرض في الشمال أصعب مقارنة بالأرض في غزة"، لكنه أبدى اعتقاده بأن حزب الله وجد لهذا أيضا حلًا، فالحديث "لا يدور عن أنفاق لإطلاق الصواريخ بصورة أوتوماتيكية بتقنية إيرانية تصعب على سلاح الجو العمل ضدها، إنما نتحدث عن شبكة أنفاق يوجد فيها كل ما يلزم لمئات وربما لآلاف المقاتلين للبقاء مدة طويلة تحت الأرض".
ويناقض ما سبق قول العميد المتقاعد نزار عبدالقادر إذ يقول أن حقيقة أنفاق حزب الله هي: "عبارة عن أقبية وملاجئ ومخابئ للأسلحة ومراكز لهجماته ضد "إسرائيل"، وهذا أمر طبيعي. وإذا امتلك بعض الأنفاق، فإن طولها لن يتعدى المائة متر، وستكون موجودة على الحدود وداخل الأراضي اللبنانية يستخدمها مخابئ تحت الأرض وتصل بين بعض المواقع الاستراتيجية ومراكز الرمي".
ويضيف التقرير أن حزب الله استخدم الأنفاق أيضًا " لتمويه تحركات أمينه العام حسن نصر الله في أكثر من مناسبة، حيث تفيد بعض التقارير أن الحزب كان يمد أنفاقا تصل إلى ما تحت المنبر الذي يخطب منه نصر الله، وتمتد إلى ما تحت مبان مجاورة لاستعمالها طرق هروب في حال تعرضه لهجوم، أو طريقة تمويه خلال مغادرته أو وصوله إلى موقع الحدث الذي يشارك فيه."
حزب الله والعناية بالنازحين
فيما يؤثر عن حزب الله أنه استخدم الأنفاق للقتال وللتموين والتخزين وحماية القادة والمقاتلين، فلم يوجد أنفاق للجماهير ولكنه في المقابل قام بعمل ضخم لحماية المدنيين الواقعين تحت تأثير أي عدوان صهيوني على الجنوب اللبناني خاصة.
حيث "خصص حزب الله مبالغ كبيرة لأكثر من 87 ألف نازح لبناني من الجنوب (عام 2023 إثر المباغتة في 7 أكتوبر) عبر تأمين مساكن لهم، وحصص غذائية، ومبالغ شهرية يوزعها عليهم، كما أنه بدأ منذ فترة عبر مؤسسة «جهاد البناء» التابعة له بإجراء الكشوفات على الأضرار "استعداداً لمرحلة إعادة البناء"
وكشفت مصادر مطلعة حسب صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 9مارس 2024م أن الحزب يخصص نحو 20 مليون دولار شهرياً لإغاثة النازحين، وهو يدفع إيجارات منازل انتقل إليها كثير منهم، كما يعطي الأسرة مبلغاً شهرياً يتراوح بين 100 و200 دولار أميركي.[28]
وكان النائب من حزب الله حسن فضل الله، أعلن في وقت سابق أنّ الحزب بدأ بدفع تعويضات للمتضرّرين.
فيما أكَّد عضو المجلس المركزي في الحزب، الشيخ نبيل قاووق، أنَّ "المقاومة استعدَّت لرفع آثار العدوان وإعادة الإعمار". والى ذلك يكمل التقرير قائلًا على لسان أحد سكان الجنوب، إنَّ "الحزب أبلغ من تضررت منازلهم في المناطق الحدودية أنه سيعيد بناءها فور توقف الحرب، لكن بعضهم تمنوا عليه الحصول على مبالغَ مالية عوضاً عن إعادة الإعمار كي يشتروا منازل في مناطق بعيدة عن الحدود، كي لا يتم تدميرها كل فترة، لكن الحزب ليس بصدد التجاوب مع هكذا طلبات". وأشار الرجل الأربعيني، إلى أنَّ "الحزب يعطي العائلات النازحة كل 15 يوماً 100 دولار أميركي، كما أعطاها مبالغ لتأمين مواد التدفئة".[29]
الاستنتاجات ال12
أول الاستنتاجات مما سبق: أن الأنفاق في النموذج الفيتنامي أقيمت على فترات زمنية طويلة لحماية الناس، لحماية المدنيين من الفلاحين في قراهم-تحت قراهم، فيما الأعمال العسكرية كانت تتم بعيدًا عن هذه القرى، في وعي مبكر لمعنى حرب الشعب طويلة النفس، أو طويلة الأمد. والتي تعني إعداد و تجهيز ثم إشراك الشعب ذاته في عمليات المقاومة والثورة بكافة أشكالها ما جعل الناس يحبون "هوشي منه" والجنرال "جياب" لأنه كما قالت المناضلة "هان لي": أنك "عندما تسأل أي فيتنامي عن حبه لقائد الثورة "هوشي منه"؟ فسيقول: أن هذا القائد كان يصر على ضرورة حماية المدنيين كجزء أساسي من عمليات الثورة."
وثاني الاستناجات أيضًا من فيتنام أنه: "لا يوجد هجوم دون توفير الدفاع الكافي عن المدنيين، فعندما نقول أن الفيتنام قدمت مليونين شهيداً يكون ضمنهم مليون عضو بالثورة."[30]
اما ثالثها: فإنه "إذا لم ندرّب الشعب على حمل السلاح ولم نوفر له السلاح والذخيرة فعلينا حماية المدنيين أونقل المعركة لمناطق بعيدة عن مناطق تواجدهم، ولعلّ أكبر مثال على ذلك "هجوم التيت" ضد الأمريكان في فيتنام الجنوبية".[31]
رابع الاستنتاجات: أن حزب الله قد استفاد بشكل واضح من فكرة أنفاق المقاومة أو الثورة الفلسطينية إبان وجودها في لبنان بقيادة ياسر عرفات، وهي الأنفاق التي استخدمت لتخزين الأسلحة والمواد التموينية، وقام الحزب بلا شك بتطويرها، بل والتوسع فيها أكثر لمصلحته وأدواته القتالية، الى جانب عناية الحزب الكاملة بالمهجرين أو النازحين من الجنوب اللبناني ماديًا ومعنويًا، ما لم تستفد منه التجربة في قطاع غزة.
خامسًا: فكرة الأنفاق في غزة فلسطين فكرة قديمة كانت تستغل ببُعدها المدني التجاري للتهريب من مصر الى غزة، وكانت موجودة منذ القدم واكتشفتها القوات الإسرائيلية المسيطرة على القطاع في أول اكتشاف مسجل لنفق من قبل الاحتلال كان في عام 1983، أي بعد انسحاب الاحتلال الصهيوني من سيناء.
الأنفاق استمرت وتوسعت فترة وجود السلطة الوطنية الفلسطينية في القطاع منذ عودة قوات الثورة/المقاومة الفلسطينية الى الوطن عام 1994م، ثم توسعت بعد الانقلاب لفصيل "حماس" على السلطة عام 2007 بحيث حفر تنظيم "حماس" أنفاقًا خاصة به، الى جانب الأنفاق الاخرى، الى أن اقتبست "حماس" تجربة حزب الله، والتجارب العالمية بشكل جزئي لتبني أنفاقها العسكرية فقط في طول القطاع وعرضه.
سادسًا: الى جانب الأنفاق التجارية للتهريب، بنت حماس 3 أنواع من الأنفاق هي الهجومية والدفاعية، والثالث لحماية القيادات، ولم يكن من بينها أبدًا أنفاق لحماية المدنيين، كما لم تقم بتجهيز الجماهير للمواجهة بأي شكل من الأشكال، وكان هذا الجزء في ظل التفكير بالإقدام على مهاجمة العدو بكثافة يحتاج لإعادة النظر والنقد والمراجعة-بالإضافة لعوامل أخرى تتعلق بالحليف والأمة وإدارة المعركة- ما أدى الى حصول خطأ استراتيجي كبير بالعقلية، كما أصبح واضحًا في النتائج المروعة وكارثة التطهير العرقي والإبادة الجماعية والتدمير والتهجير بعد الطوفان في 7/10/2023م.[32]
سابعًا: لا تنجح المقارنة الكاملة بين الأنفاق سواء بالثورة الكورية أو الصينية أو الفيتنامية، أوالفلسطينية في لبنان، أو اللبنانية لاحقا مع الانفاق في غزة الصغيرة المحاصرة من الزوايا المذكورة بالدراسة، فلكل تجربة خصوصيتها وفهمها لواقعها الداخلي والإقليمي والعالمي.[33]
وأنظر أيضًا لتلك العوامل التي أبرزها إن "إسرائيل" قِبلَة العالم الاستخرابي-الاستعماري العالمي فلا تفريط بها كما حصل وهبّ هذا العالم لنجدتها بالقوة العسكرية والبشرية والمليارات! ما لا مثيل له في العالم العربي أو الاسلامي.
وعامل آخر هو صغر المساحة للقطاع وعِظم عدد السكان الفلسطينيين، مع ما أضيف لاحقًا من استنتاج صهيوني ارتبط بالمباغتة في الطوفان، ووحشية الرغبة بالانتقام للانكسار الصهيوني، فيما اعتبره الإسرائيلي وبالدعم العالمي الغربي الاستخرابي معركة وجود وانتقام وإبادة وحشية ساحقة بددت إمكانية استخدام الأنفاق، أوالقتال المؤثر داخل غزة (حرب العصابات) مقابل العدو، في ظل الثمن الباهظ جدًا الذي لا يعدّ بأي شكل من الأشكال ثمنًا تكتيكيًا مطلقًا، بل هو من رأس المال البشرى بكليته لأن حياة الناس وتعزيز ثباتهم هو الأصل، بينما المعارك (القصيرة والسريعة وبلا أثمان بشرية كبيرة لحرب الشعب طويلة الأمد) سِجال حتى الانهاك، وضمن فكر أو منهج الجولات متعددة، وفي ظل أن الفهم للموقف والتقديرهو الأولى بالقيادة السياسية صاحبة المنظور الأوسع، وليس ضرب الرأس بالحائط مرارًا وتكرارًا.
ثامنًا: لقد لطمت الجدة المقاتلة الفيتنامية "هان لي" المقاتلة في معركة تيت عام 1968 على رأسها عندما أهمل الفلسطينيون احتساب الجماهير(المدنيين) في الحرب الصهيونية الفاشية على غزة باعتبار الجماهيرالأصل بالحماية وباعتبارهم الهدف من الدفاع ضد العدوان، أو بإعدادهم المسبق للحرب، وباكتساب محبتهم ودعمهم، أو دعم ثباتهم بكل الأشكال، فهم ليسوا "خسائر تكتيكية" أوجانبية!؟ فأشعلت بالعقل أهمية الانسان التي جعلها الرسول (ص) أولوية حين جمع الرجال الكبار والنساء والأطفال في حصن بني حارثة بالمدينة عندما عقد الكفار لواء الحرب العالمية (كل قبائل العرب) ضده في غزوة الخندق/الاحزاب.
تاسعًا وعاشرًا: أضاف لى أحد الأخوة المناضلين استنتاجين منسوبين له (لم يشأ ذكر أسمه)، أوردهما هنا في الأول يقول: إن سيطرة فصيل واحد على الأنفاق واستبداده على باقي الفصائل لمعرفة كل شيء قبل استخدامها، وعدد أفراد ونوع الأسلحة وزمن ومكان العملية العسكرية التي سيقومون فيها تجعلهم تابعين لحماس وليسوا الا جزء من قرار حماس. مضيفًا أنه بنفس الطريقة يفعل حزب الله عندما يسمح لبعض الفصائل المسلحة ضرب "اسرائيل" ومعلقًا أن هذا الاستبداد السياسي يعني ان عمليات القتال هي تحت اشراف سلطة أعلى من "حماس" وحزب الله، فهي قيادة اقليمية اسمها ايران
وفي استنتاجه الآخر يقول: يسمح لمدنيين الدخول على مناطق قتالية كما حدث في سبعة اكتوبر جريمة لا تغتفر، فهذا جعل تبريرات جيش الاحتلال أن المدنيين شاركوا بالهجوم على "اسرائيل" مضيفًا أنه في نقطة اخرى فإن ضرب حماس للصواريخ من بين البيوت والمناطق السكنية تعطي مبررات للعدو، وكثيرا من مرئيات "فيديوهات" عمليات "حماس" تبين انهم يستخدمون المدنيين ومناطق سكنهم كدروع بشرية، وعندما ينتهي مقاتلو "حماس" من ضرب أهدافهم يهربون ويتركون المدنيين يواجهون ردة فعل العدو.
حادي عشر: في أي عملية نضالية لا يجب قهر الجماهير أو إبعادها أو وضعها تحت ضغط بل من المطلوب إشراكها كليًا في النضال بكافة أشكاله، والتي منها ما اتفق عليه فلسطينيا منذ العام 2005 ثم العام 2020 لكل الفصائل المتوافق مع فهم المرحلة والمتغيرات.
يذكر المفكر وعضو مركزية "فتح" هاني الحسن في كتيب: فتح بين النظرية والتطبيق الصادر كمقال عام 1972م[34] التالي: "ان للنضال دائما هدفا وأداة، وغاية النضال هو حل المشاكل السياسية والقومية ببعث طاقات العطاء والكفاح عند الشعب المستعمر أو شبه المستعمر. وأداته هي الشعب الواعي والمنظّم والمسلّح. إن حضور الشعب (الواعي والمنظم والمسلح)، ومشاركته كل – وبكل ما في كلمة مشاركة من محتوى – في خوض النضال هو وحده الكفيل بتنمية حركة الجماهير، وبالتالي إنجاز المهام القومية الصعبة. ولكن كيف نصل الى ذلك؟ الماء لا يعطي كهرباء الا إذا كان خلف السد. وكذلك الجماهير لا بد من وضعها في وضع تكون فيه قادرة على العطاء. وهذا لا يتأتى إلا من خلال ممارسة ما يُحدث في النهاية تغييرا جذريا."[35]
ثاني عشر:"قادة المقاومة يؤكدون أن الكفاح الشعبي الفلسطيني لا يلغي دور الجيوش العربية النظامية، بل أن الكفاح المسلح عامل مساند، فالتلاحم بينهما ضروري في المرحلة الحاسمة للحرب الشعبية"[36]. هذا ماكان من لقاء صاحب كتاب العمل الفدائي عام 1969 مع قادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح في البدايات، وقالوا أيضًا أن "مادة الكفاح هو الشعب العربي بأسره، إنما الشعب الفلسطيني هو رأس الحربة" ص 318، ما يعني لنا أن الوعي بضرورة وأهمية العامل العربي-كان قديمًا ولايزال- قائمًا، فلا غني عنه مطلقًا بغض النظر عن كل الظروف والأشكال المطلوبة للدعم.
كما إن ما يخوضه الشعب الضعيف بقدراته المادية ومن لا جيش نظامي له، هو ثورة أومقاومة أو كفاح أو نضال أو جهاد (سمّه ما شئت مما سبق) بكافة أشكال النضال التي منها العسكري، ومنها الثقافي والرواية وفي الوعي والفكر ما هو الأصل، وكذلك النضال الفني والإعلامي والدبلوماسي والسياسي، وفي الثورة الشعبية أو المقاومة الشعبية والتي كلها تحت مسمى حرب الشعب طويلة النفس تعني بتحرير الأرض وبحماية الناس أولًا ودعم صمود الناس، أوالحفاظ على أي جزء مستقل أو شبه مستقل من الأرض فلا تنقلب المعادلة ولا يتم تسويد الصورة.
خاتمة: إن القضية الفلسطينية لم تخلق في العام 1948 مع تأسيس الكيان الصهيوني والنكبة العربية، بل خاض الاستخراب/الاستعمار الغربي مناظرته الفكرية وسنوات من التمهيد لفكرة إيجاد جسم غريب في قلب الأمة العربية والإسلامية ليس لخير المنطقة ولا لخير المزروعين، وإنما للحفاظ على مصالح الدول الاستخرابية الاوربية وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا، التي ورّثت الولايات المتحدة الامريكية امبراطوريتها وقادتها.
لذا فإن عملية الثورة أو المقاومة أو الكفاح العربي الفلسطيني هي عملية نضالية وصراعية طويلة وقد تتخذ مع إشراقة انتفاضة شبيبة المستقبل مناحي قد لا تخطر على بال.
لكنها بجميع الأحوال لا تتخلى عن عميق المعرفة، والعلم، والتقانة، والبناء والصناعة، وضرورة الوعي، وشديد التفكر ورؤية الواقع المتغير وفهمه والتعاطي معه أو تغييره.
إن القائد هو الذي يدرك المتغيرات ويرى المستقبل وغيره ليس إلا مجرد راكب من ركاب الحافلة، أو صورة تلمع ثم تخبو بلا قيمة على أسطح الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي.
وبين هذا وذاك فإن القضية الفلسطينية وهي ستظل قضية الأمة بالضرورة ستحقق أهدافها فهذا هو كلام الحق والعدل والتاريخ.
وشعب فلسطين آجلا أم عاجلًا سينتصر، والله معنا.