الفيلم الأمريكي «المطاردة»… سلطة الغوغاء عندما تغيب الدولة

2017-08-23 11:56:20

لا يذكر نقاد السينما الحاليون شيئا عن فيلم «المطاردة» (The Chase) الذي أنتج عام 1966 على الرغم من وجود العديد من النجوم الكبار به، مثل مارلون براندو وروبرت دوفال وجين فوندا وروبرت ريدفورد وأنجي ديكنسن. أما المنتج فقد كان سام شبيغل، الذي سبق وأنتج الفيلم الشهير «لورانس العرب» الذي جعل من بيتر أوتول وعمر الشريف نجمين عالميين بين ليلة وضحاها. تم اقتباس الفيلم من مسرحية ألفها هورتن فوت، ليروي ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع عندما تضعف الدولة، أو حتى ينعدم وجودها وكيف يتكون حال الغوغاء ويحاول بعضهم فرض سطوتهم على الآخرين بحجة الدفاع عن المصلحة العامة.

البداية

تدور أحداث الفيلم في بلدة ريفية في ولاية تكساس الأمريكية، وتبدأ بهروب سجينين من سجن المنطقة، وقيام أحدهما بسرقة سيارة بعد أن قتل صاحبها، على الرغم من معارضة السجين الثاني، وفر الأول تاركا الثاني وحيدا إلا أن السلطات اعتقدت أن الثاني هو القاتل، ما أضاف تهمة خطيرة لمجموع تهمه التي حكم بسببها. أن السجين الثاني كان «بَبَر ريفز» ــ روبرت ريدفورد ــ الشاب الهادئ المحبوب الذي اتهم زورا بارتكاب جريمة لم يرتكبها وكان مصيره السجن. أما في البلدة فكان أشهر شخص فيها هو الأكثر ــ أي. جي. مارشال ــ الذي امتاز بنفوذه الكبير في المدينة. واعتقد أغلبية السكان أن مدير الشرطة ــ مارلون براندو ــ في البلدة كان تحت سيطرته، أي أنهم اتهموا مدير الشرطة بالفساد، ولكن ما لم يعرفه السكان أن اعتقادهم كان عبارة عن خرافة لأن مدير الشرطة كان مستقلا ونزيها، حيث رفض جميع محاولات الثري للتودد إليه وامتنع عن قبول أي هدية منه. وفي الواقع أن الثري لم يكن سوى رجل أعمال كبير يتجنب المشاكل ويحاول أن يبقي علاقات قوية مع الجميع، إلا أن ثراءه جعله هدفا سهلا للحاسدين ولكل من أراد أن يختلق القصص. وسمع أهل المدينة بهروب «بَبَر ريفز» من السجن، وأن السلطات تعتقد انه من قام بقتل صاحب السيارة، ولكن مدير الشرطة كان مقتنعا ببراءة «بَبَر» وأنه سيعود إلى المدينة، ففيها يسكن والداه وكذلك زوجته ــ جين فوندا ــ وكان ينوي أن يلقي القبض عليه في حال عودته وتقديمه لمحاكمة عادلة. ولزيادة الموقف تعقيدا فإن زوجة «بَبَر» كانت في غيابه على علاقة غرامية مع صديقه الأقرب ابن ثري المدينة ــ جيمس فوكس ــ

الفوضى

تجمع بعض سكان البلدة في الحانة ودارت مناقشة حول احتمال براءة «بَبَر» أو عدم براءته ومع زيادة الشرب أخذ بعضهم يزداد هيجانا وقرروا الخروج في مجموعات للعثور على «بَبَر» وقتله وأصبح واضحا أن الفوضى عمت البلدة. وذهب هؤلاء إلى مدير الشرطة للحصول على دعمه، إلا أنه رفض وأمرهم بالعودة إلى منازلهم، ما أثار غضبهم أكثر وقاموا بمهاجمته وضربه ضربا مبرحا (كان هذا أشهر مشهد ضرب في تاريخ السينما الأمريكية) ثم خرجوا كقطعان من الذئاب المسعورة بحثا عن فريسة سهلة، وكان يقودهم أحد الذين يحاولون الاستفادة من هذا الموقف. وفي هذه الأثناء سمع الثري بما حدث وخشي أن يصاب ابنه بمكروه فهو صديق «بَبَر» الأقرب وعشيق زوجته، ولذلك كان قلقا من رد فعل الغوغاء الباحثين عن «بَبَر» ورد فعل «بَبَر» نفسه، إلا أن الثري اكتشف فجأة أنه لا حول له ولا قوة، فمدير الشرطة مصاب إصابات بالغة بسبب اعتداء الغوغاء عليه، والمدينة في حالة فوضى. وفي وسط هذه الفوضى نرى والديّ «بَبَر» اللذين يشاهدان بذعر جميع من حولهم محاولين النيل من ابنهم، الابن الذي تلاحقه السلطات بالحماسة نفسها، ونرى أيضا سكان المدينة الذين يستمتعون بإسماع والدي «بَبَر» التعليقات اللاذعة متظاهرين بحبهم للخير.

الغوغاء وغياب الدولة

نجح «بَبَر» في التسلل إلى داخل المدينة، إلا أن الغوغاء سريعا ما تكتشف مكانه وتحاصر المكان، ولإجبار «بَبَر» على الخروج قاموا بإضرام النيران في المكان، فينجحوا في محاصرة «بَبَر» الذي ينظر حوله مرتعبا فقد شعر بقرب نهايته المؤلمة، ولا يعرف كيف ينجو بنفسه، وفي خضم هذه الفوضى يصل مدير الشرطة ويلقي القبض على «بَبَر» ويهم بالذهاب به إلى مركز الشرطة لوضعه في السجن، ولكن فجأة يسمع الجميع صوت طلق ناري وإذا بـ»بَبَر» يخر صريعا، ولم يصدق مدير الشرطة ما حدث فهجم على مطلق النار وأشبعه ضربا ملقيا القبض عليه، ولكن بعد فوات الأوان فقد نجحت الغوغاء في تنفيذ غايتها، وبذلك فإن عودة الدولة كان متأخرا ولم ينقذ هذا «بَبَر» أو المدينة من شرور الغوغاء. وفي اليوم التالي يقتنع مدير الشرطة بعدم جدوى التعامل مع سكان البلدة فيقرر مغادرتها مع زوجته إلى الأبد. كان نجاح الفيلم من الناحية التجارية ضعيفا، على الرغم من الاستقبال الجيد له من قبل النقاد، وإذا كان قد فشل تجاريا فإنه من المعروف أن هناك هوة شاسعة أحيانا بين الجودة والنجاح التجاري.

الحكاية والواقع

لقد كان السبب الحقيقي في إشاعة الفوضى التي عمت البلدة هو تقاعس مدير الشرطة في التعامل مع أولى بوادر الفوضى والغوغاء، وقد قالها المدير نفسه في الفيلم عندما اعترف بخطئه بعدم الاستعانة بسلطات الولاية للسيطرة على الموقف. وما أن أحس الانتهازيون بضعف الدولة المتمثلة بمدير الشرطة حتى أخذ كل منهم استغلال الموقف، وظهر بينهم زعماء يقودون الآخرين للقضاء على ما تبقى من السلطة والحل محلها، وإذا كان هذا يعني حرق البلدة فليكن. أما ثري المدينة فقد كان عاجزا عن عمل أي شيء، فقد كان نفوذه وقوته مرهونين بوجود القانون الذي غاب، بعد أن أصبح مدير الشرطة الذي يمثل السلطة غير قادر على فرض سيطرته على البلدة. 
قد يعتقد القارئ أن قصة الفيلم بعيدة عن الواقع، وهو محق في أن الفيلم لم يكن مقتبسا من حادثة حقيقية، إلا أنه غير محق في اعتقاده أن القصة غير واقعية، فالتاريخ العالمي مليء بالقصص المشابهة، التي تمتاز بمجتمع انتشرت فيه الفوضى عندما ضعفت فيه الدولة، أو بالأحرى انهارت، ولذلك يظهر أفراد يحاولون احتلال مراكز القيادة في الدولة بشتى الوسائل الأخلاقية وغير الأخلاقية، مدعين خوفهم على المصلحة العامة، وهناك دائما من يتبعهم وبذلك فإنهم يشكلون جماعات تنشر الرعب في البلد وتمتاز بقسوة شديدة. وما حدث في تلك البلدة الخيالية في الفيلم ليس من الممكن أن يحدث في دول بعينها، بل لأنه من الممكن أن يحدث في دول كبرى مثل فرنسا وروسيا القيصرية. وإذا أخذنا الثورة الفرنسية كمثال فإننا نلاحظ أن اعتقادات غريبة انتشرت بين الناس في باريس آنذاك مفادها أن الطبقة الحاكمة وعلى رأسها الملك لويس السادس عشر كانت فاسدة ولا يمكن أن توجد طبقة حاكمة أسوأ منها، وما أن شعر الناس بأن علامات الوهن من قبل الدولة قد بدأت بالظهور، حتى زاد تململ العامة وظهر أفراد طامعين بالسلطة ومدعين خوفهم على المصلحة العامة مثل روبسبير ودانتون ومارا، وفي الحقيقة كان هدفهم الوحيد هو الاستيلاء على مقاليد السلطة بأي ثمن لتنفيذ مآربهم الشريرة، وأصبح هؤلاء زعماء وتجمع الكثيرون حولهم مشكلين جماهير تنفذ رغباتهم وفرض إرادتهم على الشعب. ونجح هؤلاء الزعماء في الإطاحة بالسلطة، وإعدام الملك وزوجته وسيطروا على مقاليد الحكم ليبدأوا عهدا اتسم بزيادة مرعبة للإعدامات العلنية التي حرقت الأخضر واليابس. أما الثورة الشيوعية في روسيا القيصرية، فقد أصبح واضحا أن القيصر كان ضعيف الشخصية وضعفت الدولة أكثر بسبب دخولها الحرب العالمية الأولى، التي مات بسببها الكثيرون وأهدرت ثروات روسيا وأصبح القيصر عاجزا عن صد المخالفين للقانون، وشعر الجميع بهذا فظهر الزعماء الشيوعيون أمثال لينين وستالين وتروتسكي وقادوا انقلابا ليسيطروا على الدولة وإدخال روسيا في عهد الظلمات.