الإصلاحات الفلسطينية خارج الإشتراطات الدولية
الكاتب: نبيل عمرو
عقب إدلاء الرئيس محمود عباس بصوته في الانتخابات المحلية، صرّح بأن مسيرة الديموقراطية انطلقت، مشيراً إلى أمثلةٍ على ذلك، منها انعقاد مؤتمر الشبيبة الفتحاوية قبل عدة أشهر، وإجراء الانتخابات المحلية التي أدلى بصوته فيها، وتحديد موعدٍ لعقد مؤتمر فتح بعد أيامٍ قليلة، مع الإعداد لإجراء انتخابات المجلس الوطني.
ومن جانبه يواصل الدكتور محمد مصطفى رئيس الوزراء الفلسطيني، إعلان قراراتٍ إدارية ينسبها إلى الإصلاح الحكومي الجاري على قدمٍ وساق، ذلك مع تواصل الأزمة المالية التي تُعاني منها السلطة، بحيث مرّت فترةٌ طويلةٌ دون أن يتقاضى موظفوها الذين وصل عديدهم إلى ما يزيد عن مائتي ألف، رواتب كاملةً، إلا باستثناءاتٍ تكاد لا تُذكر، تخص موظفي المراتب الدنيا.
الأزمة المالية تترافق مع أزمةٍ سياسيةٍ أشدّ صعوبة من الأزمات الكثيرة التي سبقتها على مدى تجربة السلطة الفلسطينية، على أرض الوطن، وغنيٌ عن التذكير بأنها كانت متعثرةً منذ ولادتها حتى أيامنا هذه، وذلك بفعل الإغلاق السياسي الذي تمارسه إسرائيل ولا يملك العالم بما في ذلك أمريكا قدرةً على فتحه.
الأزمة المالية التي يصحّ وصفها بالمركبة لتداخل وترابط عناصرها وإمساك إسرائيل بجميع خيوطها، يُضاعف تأثيرها على الفلسطينيين، التهميش الملحوظ للسلطة في معظم الفعاليات المتصلة بالشأن الفلسطيني، حيث الحضور الضعيف لها في ملف غزة، وإجلاسها على مقاعد الاحتياط في اللعبة الجارية، على وعدٍ بدعوتها لدورٍ أكثر وضوحاً حين يُصبح ذلك لازماً شريطة أن تُنجز الإصلاحات المطلوبة أمريكياً وأوروبياً حتى صارت الإشارة للسلطة الفلسطينية ودورها مرتبطاً بجملة بعد إصلاحها.
مواصفات الإصلاحات المطلوبة أمريكياً وأوروبياً تختلف كليّاً عن الإصلاحات التي أنجز بعضها الرئيس عباس، وهو بصدد استكمالها، إذ لا يعني أصحاب هذه الاشتراطات الإصلاحية، ترتيب أوضاع فتح الداخلية، ولا احتمال إجراء انتخابات المجلس الوطني، ولا حتى مؤتمر فتح، فهي إجراءاتٌ خاصةٌ يمكن أن تُشجّع، ولكن العالم لا يراها بديلاً عن الإصلاح المنشود وفق مواصفاته، دون استبعاد الدور الإسرائيلي الذي يتولى مهمة الضغط على الفلسطينيين، بذريعة عدم تلبيتها.
العالم نظر باهتمامٍ للانتخابات المحلية، وهي تستحق الاهتمام فعلاً لكونها ذات طابع عام، ذلك لأن المجالس المحلية المنتخبة أو حتى الفائزة بالتزكية، لها دورٌ فعّالٌ في تنظيم الحياة الفلسطينية الداخلية، وتوفير الخدمات الضرورية للمواطنين بمعزلٍ عن الأجندات الحزبية والفصائلية، مع إقرارٍ من العالم بأن المجالس المحلية هي ضرورةٌ سياسيةٌ لاستقرار المجتمع، مع حقها في الالتزام بالأهداف الوطنية التي تجسدها منظمة التحرير وبرامجها الموافق عليها إقليمياً ودولياً، غير أن تقويم العالم للانتخابات المحلية جاء في سياقٍ مختلفٍ عن ما أعلنه الرئيس عباس أمام صندوق الاقتراع حين أدلى بصوته، وكان أوضح من عبّر عن الفهم الغربي للانتخابات المحلية هو الإعلان الفرنسي الذي رحّب بالنجاح في إجرائها ولكنه ربطها بحتمية إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية التي توقف الحديث الفلسطيني الرسمي عنها، منذ أُجلّت في مايو قبل سنوات، ومنذ طُرحت فكرة استبدالها بانتخابات المجلس الوطني، والعمل على إنجاز دستور الدولة.
صورة الوضع الفلسطيني منذ حرب غزة وحتى أيامنا هذه، تبدو معتمة ومغلقةً على أزمةٍ مركبة، فلا أفق لحل الأزمة المالية، لا عند السلطة ولا عند الإقليم ولا عند العالم، ولا أفق كذلك لفتح مسارٍ سياسي يُعتبر مجرد فتحه ولو دون تقدمٍ ملموسٍ نحو الحل عاملاً مساعداً على استعادة الدعم الدولي المتوقف للسلطة مالياً، ولو بمستوى التنقيط في الحلق، ومما يزيد الطين بلّة، أن إسرائيل الممسكة بكل عناصر الضغط المباشر على الحالة الفلسطينية، دخلت مبكراً في موسمٍ انتخابي هو الأكثر سخونةً من كل المواسم السابقة، حيث المتنافسون على المقاعد من القوى الرئيسية المرشحة لتشكيل الحكومة القادمة، يتسابقون على حصد الأصوات من خلال إقناع الناخبين للتصويت لمن هو الأكثر فاعليةً في إلحاق الأذى بالفلسطينيين، وبوسعنا تقدير صعوبة الموقف، من خلال بقاء سموتريتش وزيراً للمالية لمدة ستة أشهر ولا رصيد له لعبور نسبة الحسم في الانتخابات، إلا مواصلة احتجاز مستحقات السلطة والسطو عليها بذرائع وعناوين شتّى.
في ظل حكومة نتنياهو وحروبها التي أساسها تصفية القضية الفلسطينية، بإغلاق كل الأبواب والنوافذ أمام إقامة الدولة الفلسطينية، لم يتبقّ لدى الفلسطينيين في مواجهة أزماتهم المركبة والمتوالدة، إلا الصمود واحتواء الأذى الإسرائيلي المتعاظم، وعدم تمكينه من الانتصار عليهم، ذلك أن البديل الذي ينتظرهم وفق الخطط الإسرائيلية أشدّ خطورةً عليهم مما يجعلهم أكثر استعداداً للمواجهة بالبقاء على أرض الوطن، والإصرار على عدم رفع الراية البيضاء أمام التغوّل الإسرائيلي عليهم، وهذا يحتاج إلى إجراءاتٍ تقشفيةٍ مدروسةٍ من قبل السلطة ومعالجاتٍ أكثر حكمةً وذكاءً للفجوة المتسعة بين السلطة والناس، واعتماد مسارٍ وطنيٍ فعّالٍ ومقنعٍ للإصلاح بما يلائم المصالح الفلسطينية أساساً.
إسرائيل في غير وارد تقديم مرونةٍ باتجاه التعامل مع الفلسطينيين، والفلسطينيون من جانبهم يزدادون تحدياً للإسرائيليين وهذا هو الوضع من الآن إلى أن يُفتح مسارٌ سياسيٌ نحو الحل.

