فتح الثامن… بين خيار التأجيل واستحقاق الانعقاد
الكاتب: هبه بيضون
مؤتمر فتح الثامن هو اجتماع تنظيمي ومحطة سياسية ووطنية، حيث يشكّل فرصة لإعادة صياغة الموقف السياسي للحركة، ولتقديم رؤية سياسية متجدّدة ترسم ملامح المرحلة القادمة، وإعادة ترتيب بيت الحركة الداخلي. وتكمن أهمية انعقاده بإعادة بناء الثقة الداخلية، وتعزيز الموقف الوطني، وإرسال رسالة الى العالم بأنّ فتح لا زالت حاضرة وفاعلة ومؤثرة بالقرار الوطني.
كما يعكس انعقاد المؤتمر إرادة الحركة بالحفاظ على وحدتها الداخلية، وحل الإشكالات الداخلية. أما تنظيمياً، يعتبر محطة لتجديد الشرعيات عبر انتخابات قيادات جديدة، أو تثبيت بعض القيادات القديمة، بما يتناسب مع الرؤية المتجدّدة والتحدّيات المختلفة، كالضغوطات الخارجية وتلك المتعلقة بالانقسام. كما سيعزّز من قدرة الحركة على الاستمرار كإطار تنظيمي متماسك، وخلق أدوات جديدة للتفاعل مع القواعد الشعبية لها، وذلك من خلال إعادة صياغة اللوائح والبرامج لتتناسب مع معطيات المرحلة الراهنة، ما يجعل من فتح حركة مرنة، قادرة على مواكبة التطورات والتفاعل معها والاستجابة لها، دون التنازل عن المبادئ والثوابت الأساسية، وبما فيه مصلحة للشعب الفلسطيني.
وبصفتها حركة وطنية قائدة ورائدة، وتتحمل مسؤولية كبيرة بصياغة الموقف الوطني العام، فهذا يجعل دور المؤتمر يتجاوز الشأن الداخلي للحركة، ليشمل تأثيرها بالمشهد الوطني الفلسطيني ككل، ومساهمتها ببلورة استراتيجية فلسطينية موحدة لمواجهة التحديّات.
رسالة المؤتمر هي أنّ فتح ما زالت قادرة على النهوض وإعادة ترتيب صفوفها، وسنراقب جميعاً مدى قدرة المؤتمر على ترجمة أهمية انعقاده المذكورة سابقاً إلى خطوات عملية ملموسة مستقبلاً.
ونظراً لحجم المؤتمر ولأهمية حركة فتح، فإنّ التحضير الجيد والإعداد المسبق للمؤتمر هو عنصر أساسي لنجاحه وتحقيق أهدافه، ويشمل التحضير والتخطيط للمؤتمر تحديد جدول أعمال واقعي يعكس أولويات المرحلة، ويمنح المشاركين فرصة منظمة للتفاعل بعيداً عن العشوائية، ما يساعد بمعالجة الخلافات الداخلية قبل انعقاده، ويقلّل من احتمالات التصعيد، ويعزّز فرص الوصول إلى توافقات أو حلول وسط.
إنّ التخطيط المسبق للمؤتمر يقدّم صورة أكثر انضباطاً أمام جمهورها وأمام العالم، ويعكس جدية التعامل مع التحدّيات الوطنية والتنظيمية، ويرسل رسالة بأنّ الحركة قادرة على إدارة شؤونها بكفاءة، وأنها ما زالت تمتلك أدوات التنظيم والتخطيط الضرورية للاستمرار والتأثير. كما أنه الضمانة الأساسية لأن يكون المؤتمر محطة لإعادة البناء والتجديد، وليس مجرد حدث شكلي.
أما تأجيل المؤتمر، فقد يحمل دلالات متعدّدة، بعضها قد يكون إيجابياً إذا استُخدم الوقت الإضافي للتحضير الجيد ومعالجة القضايا الخلافية، ما قد يعزّز من فرص نجاحه، وبعضها قد يُنظر إليه كإشارة إلى وجود أزمة داخلية أو صعوبة بالتوافق. لكن في المقابل، قد يُفسَّر التأجيل على أنه ضعف بالقدرة على إدارة الملفات الداخلية أو عجز عن مواجهة التحدّيات، وهو ما قد يؤثر على صورة الحركة أمام جمهورها وأمام الساحة الوطنية.
من الناحية السياسية، قد يفتح التأجيل المجال أمام خصوم الحركة لاستغلال الموقف والتشكيك بوحدتها أو قدرتها على قيادة المرحلة، بينما قد يُضعف الرسالة التي كان من المفترض أن يبعثها المؤتمر عن الصمود والاستمرارية. لذلك، تكمن أهمية التعامل مع قرار التأجيل بكيفية تبريره للرأي العام، بحيث يُقدَّم تفسير مقنع يوضح أنّ الهدف هو تعزيز نجاح المؤتمر لا الهروب من استحقاقات، وإلا فإنّ أيّ تأجيل سيؤثر على مصداقية الحركة.
وفي حال اتخذ قرار التأجيل، يجب أن يرافقه خطاب واضح يشرح أسبابه ويبين أنه جاء بهدف التحضير الأفضل أو تحقيق توافقات أوسع، بمعنى أن يتحول إلى مؤشر على المسؤولية والحرص على نجاح المؤتمر بدل أن يكون علامة على أزمة.

