في ضوء المؤتمر الثامن الحركة في مواجهة التحديات
الكاتب: بكر أبو بكر
إن حركة فتح تقف اليوم أمام مصيرها، وتواجه لربما أسوا الكوابيس وأشد البدائل المحتملة (السيناريوهات) قسوة، ليس لأنها والشدة خُلِقت أي من بطن الحوت والسكون والتيه في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وإنما لأنه بعد كل هذه السنوات، وقد جرى بالنهر ما جرى والصعود والهبوط أصبح المأزق عظيمًا على الصعد المختلفة. ونظرًا لصعوبة المرحلة فهل تكون المآزق مدعاة للمساومة أم لخوض الصراع والمقاومة؟
وهل لسبب الوقوع في المأزق أو المحنة يتوجب الاستسلام أم المجابهة؟
هل الصعاب تفترض التراجع أم التقدم؟
يمكننا القول أننا في منعطفات حادة كأمة وشعب منذ 100 عام على الأقل، نعم: وقد نراها بعيون الحاضر ومن زاوية نظر الحركة أنها قد تكون قاصمة، فهل يكون الخيار هو التراجع والانكسار أو الانهزام والسقوط في بئر اليأس كخيار؟
إن الحركة التي تفترض أنها مازالت في مرحلة التحرر الوطني -وإن كانت قد حملت مشعل بناء الدولة القائمة ولكنها تحت الاحتلال على حدود العام 1967م- هي الثورة التي يجب أن تنفض عن جسدها غبار السنين والانكسار في مواجهة المآزق لتواجه التحديات وهي كثيرة هذه الأيام على كافة الصعد وسنتعاطي مع ستة منها فقط كالتالي:
أولًا: الدائرة الحضارية
يقول المفكر العربي والقيادي بالحركة خالد الحسن "أبوالسعيد": "أن الأمة ليست خيارًا بل وجود، والقاطرة الفلسطينية لا تسير الا بالقطار العربي". ومن هنا وجب الوقوف مطولًا عند أفكار الانعزالية عن المحيط أو التقوقع على الذات باسم الوطنية، أو بافتراض أن الاستقلالية تعني الانسحاب من المحيط أو عدم التفاعل الحي معه.
إن الفلسطيني كهوية وطنية نضالية جزء من نسيج الأمة بشعوبها، ومساراتها. ويتفاعل مع الأمة ويفرح لفرحها ويشقيه ما يشقيها، وبذلك فهو قبل أن يكون فلسطيني عربي يلتمس الدعم والسند من هذه الأمة إذ ليس المشكلة بالبُعد التاريخي الحضاري الثقافي بقدر ما هو بطريقة الفهم والتعامل السياسي والمصلحي وما بين نظرات الدول التي يجب ألا تغفل هذا المكون مهما كان لحكام العرب أو بعضهم من سبيل الالتفاف على القضية وركنها جانبًا أو تطليقها بفهم قاصر استراتيجيًا ومصلحيًا وأمنيًا بمنطق أنها لم تعد "القضية المركزية".
ثانيًا: الهوية الوطنية والحضارية ضد الصهيونية
إن فلسطين التي وُجدت بهذه الأرض منذ الحضارات الناطوفية والكبارية ثم بالعصر الحديدي وماتلاه منذ 20 ألف عام حتى اليوم تصرّح يوميًا أنها بأبنائها الفلسطينيين أصل الحضارة وبارتباطاتها الحضارية العربية المسيحية والإسلامية بالمنطقة. إذ يجب ألا يكون هناك جدل حول الهوية التاريخية -والممتدة بلا انقطاع- التي سبقت كل الادعاءات للمحتل الصهيوني والحليف المسيحي-الصهيوني الأمريكي والأذناب ومرضى التفسير الغربي الأعوج للتاريخ.
إن الرواية الفلسطينية التاريخية ثم السياسية والقانونية المحقّة والعادلة بأن هذه الأرض اختارت شعبها منذ الازل كما اختارها شعبها الفلسطيني تعني الارتباط الخالد حتى لو كان للواقعية السياسية أن تنتج دولتان على نفس أرض فلسطين (أنظر القرار 181 حيث تقسيم أرض فلسطين رغم عدم عدالته سياسيًا) أو يكون للواقعية السياسية أن تبيح استقلال دولة فلسطين (المحتلة) على المتاح من مساحة أرض فلسطين وصولًا لكامل الأرض.
إن الهوية العربية الوطنية النضالية مشعل القضية لكل أحرار العالم ضد الغلو والاستخراب (الاستعمار والاحتلال) الصهيوني الفاشي الذي تموضع ليس كعدو للفلسطينية، وإنما لكل ما هو إنساني ما جعل قضية فلسطين اليوم -خاصة بعد نكبة غزة 2023-2026م-منارة عدل وحرية ضد الغول الصهيوني العنصري وهو ما يتوجب فهمه والتعاطي معه لا سيما وأنك تجد حتى في المجتمع الإسرائيلي من يفهم المعادلات ووجوبات المستقبل في فضاء الدولة الديمقراطية الواحدة.
ثالثًا: العقلية النضالية الانبساطية
إن العقليات في حركة فتح تأخذ بأبعاد عديدة منها النقدي ومنها التجديدي ومنها الابداعي ومنها الماضوي ومنها القضائي ومنها الواقعي السياسي، ولكن دعني أقو ل أننا بحاجة ماسة للعقل النضالي الانبساطي. هو النضالي أي نقيض العقل الوظيفي المحدود الذي يؤمن أن المطلوب منه القيام بوظيفته بزمنها ومكانها المحدد، وليس لشيء بعدها أن يحركّه فهو من القاصدين أبواب "السلطة المحدودة" لمطلب المصلحة أو الجائزة ليس إلا على عكس عقلية النضال والكفاح والجهاد التي تسعى وراء "الرسالة"، والرسالة هي فلسطين. والبوصلة هي فلسطين بأي وسيلة أو تعدد الوسائل التي تزِن المرحلة في ديمومة ومثابرة.
والى ذلك فإن العقل الانبساطي يرحّب ويستقبل ويُحب ويدعو على عكس العقل الانقباضي الذي يقدس ذاته وشخوصه كما يسوّر ذاته ويُبعد المخالف. ومن هنا نشأت الشوروية أو الديمقراطية لتكون منبر الحوار والالتزام والاختلاف في بوتقة وضوح الرسالة والرواية الأصيلة.
لذا نقول دومًا أن عليك أن تمسك بيسارك النقد، وبيمينك العمل والعطاء والابداع، وبهما معًا نقفز ونحقق النجاة والتجاوز.
رابعًا:الفرادة الفتحوية، والجماهيرية
حققت الحركة فرادتها وتميزها في مراحل مضت ثم داخلها الغرور والكِبر في مراحل فافترضت امتلاك ناصية التاريخ فسقطت في رزيّة المطلق، وهي اليوم لربما تفهم أكثر مما مضى صعوبة احتكار الصواب أو الحق في المحيط الوطني، حيث بحر الجماهير، لذا فإن حركة فتح اليد الممدودة داخليًا وخارجيًا هي "فتح" المطلوبة.
1-فتح الصراعات المفتوحة: إن فتح الصراعات المفتوحة على التيارات المختلفة التي دخلت جسدها كانت مثقلة بالتسويات الداخلية، وإن على أبعاد فكرية أو تدخلات أجنبية أو أبعاد أمنية. بعضها اليوم تلاشت خاصة في سياقها الفكري لذا وجب تعديل بوصلة الحائرين أو الموهومين أو المتمحورين لتكون كما كانت دومًا نحو فلسطين وهذا خيار يجب ألا يكون منه مهرب أو رجعة.
2-فتح تُشبِه شعبَها: نعم وهي تسلّمه مشعل الوطنية والثورة والمحبة والنضال ليعود فيعطيها إياها أو كما قال آية الله هاني فحص رحمه الله "أنا احب فتح ليس لأنها جميلة أو طويلة بل لأنها تشبه شعبها فهي بنت فلسطين وهي أم فلسطين، ولا أريد لهذا الشبه أن يزول". وعليه وجب العودة دومًا للجماهير، ومؤسساتها وأطرها واستثمارها بحمولة وطنية حضارية نضالية تقرّب المسافات .
3-فتح البشارة و العمل: لم أجد أحدًا من المحبيّن يتحدث عن الحركة إلا بمنطق الأمل والبشارة المرتبطة بالعمل الدؤوب التراكمي وتمازج الأجيال، رغم مرارة الشكوى أو النقد ورغم عديد المثالب أو السقطات التي يتمنى أو يطالب أو يعمل على زوالها، كل ذلك فرادة المسيرة بمؤسسيها وطريقة تعاملاتها ذات الطابع الحيوي التي تؤمن بالعطاء للجميع والمبادرة والوسطية والاتزان التي من المتوجب أن تظل سِمَة الحركة وتحكي قصة فرادتها.
4-فتح بلون التراب: فتح بلون التراب لأن التراب أي تراب فلسطين يمثل كل الألوان، فتقبل وترحّب ولا تُقصي إلا وفق النظام، والى ذلك قال لي صديقي إن "فتح بهاء الحضور وعزيمة الثوار" ما لا يُعجب مثل هذا الوصف الكارهين أو المتهمين لمجمل الحركة بالعاطفية والحنين وإن كان هذا الجزء لصيق بالحركة لكنه إن ظل هكذا فقط سيؤذن بالانتكاسة. والى ذلك يجب أن يكون الاغتسال بماء النهر في السياق التعبوي الذي لا يقفز عن الواقع الواجب إصلاحه أو تغييره سواء بالرؤية أو بالسياسات والاستراتيجيات، أو الأطر أو طبيعة الإدارة والمتابعة.
خامسًا: تحديات البُنيَة الداخلية.
إن البنية الداخلية للحركة (القيادة والأطر والهياكل والعلاقات البينية الاداخلية والخارجية، وآليات الإدارة والقيادة والمتابعة ورسم السياسات والاستراتيجيات...) أصبحت قديمة ومتهالكة ولم تعد تلبي احتياجات الحاضر المتجدد بأفكاره وآلياته وطرق النظر للأمور وامكانيات التجدد الدوري الذي يحتضن القضية والفكرة ويسير بها قدمًا إلى الأمام على حقيقة أن الحركة مازالت في مربع التحرر نحو استقلال الدولة القائمة.
في البنية يتوجب النظر نحو العضو ذاته من حيث هو مركز الفعل وواجباته وحقوقه، وبعلاقته مع الآخر وال"نحن" الواجبة والممتلئة بالبناء الفوقي العقلي النظري الفكري الذي يسنده القيم والأخلاق بمعنى العلاقة المتوازنة من الأخذ والعطاء بين الأنا للعضو، وال"نحن" للتنظيم وال"نحن" الكبرى ممثلة بالجماهير ومتى فقدت هذه العلاقة دالت دولة الحركة وارتفع معدل الصراخ.
سادسًا: الاستراتيجية والبرنامج
إن أهمية الفكرة والبرنامج بأهمية حَمَلة الرسالة. وأهمية البرنامج والسراطية (الاستراتيجية) تنبع بالتأكيد من نقد ورؤى ودراسات علمية تفترض السمو ب"النحن" الداخلية باتجاه فضاء الوعي والفهم والثقافة والقدرة على التحليل والعطاء والقرار.
إن أكثر من ستين عامًا من عمر الحركة يقول أنها تحتاج لمؤتمرات ودراسات كثيرة كما تحتاج لمراجعات عديدة، ومنها المراجعة الضرورية الأخيرة الواجبة إثر العدوان الصهيوني في 17/10/2023م (تاريخ مذبحة المعمداني) على قطاع غزة في أبشع مجزرة في التاريخ الحديث التي تساوقت مع الغلواء والعنصرية والفاشية في نظام إسرائيلي لم يعد له من سقف أخلاقي إلا ما يقنع نفسه به، لاسيما ومطالبات محكمة العدل الولية والجنائية الدولية والقرارات الأممية والإقليمية والعربية ووقوف شعوب العالم الى جانب فلسطين.
خاتمة: في خاتمة هذا المحور أو الجزء فإن الحركة أمام خيارات صعبة فإما أن تختاربرنامج الصمود أو برنامج التجدد والصعود، وإلا فأنها لا محالة قد تتموضع في مساحة الارتكاس والانحدار او التراجع المرتبط بالتخلف الفكري وافتقاد اللحظة الزمنية المناسبة.

