سبع عجائب وترامب ثامنها
الكاتب: وليد عبد الحي
منذ القرن الاول والثاني قبل الميلاد ، تتداول المصادر تعبير "العجائب السبع"، وكلها آثار قديمة تتواجد حول منطقة البحر المتوسط،(الهرم الاكبر، حدائق بابل، تمثال زيوس،هيكل آرتميس، ضريح موسولوس، تمثال رودس، ومنارة الاسكندرية)، وتتنوع مبررات "التعجب " في كل واحدة منها، لكنها ليست الا تعبيرا عن مفارقة بين مستوى سائد في اي مجال من مجالات الحياة (الفن او المعمار او النحت او الجمال او الخلود بالقدرة على معاندة الظروف البيئية او غيرها).
وفي وقتنا الحالي فان الرئيس الامريكي الحالي دونالد ترامب يشكل بالنسبة لي عجيبة، لانه يمثل مفارقة عن بيئته وعن اقرانه من الرؤساء الستة والعشرين الذي عرفهم التاريخ الامريكي(بعضهم حكم مرة وآخرين اكثر من مرة) ، وهو ما يجعله مؤهلا ليكون العجيبة الثامنة.
ان مصدر تعجبي هو: كيف لمجتمع براغماتي عقلاني متطور ومنظم وغني اقتصاديا وقوي عسكريا وتتمركز فيه نسبة كبيرة من النخب الفكرية والفلسفية والعلمية العالمية، وفيه افضل جامعات العالم ،أن يتولى فيه الرئاسة رجل تجتمع فيه الصفات التالية:
1- الانحطاط الاخلاقي: واظن ان ملفات ابستين لا تحتاج لتفاصيل
2- المرض النفسي بخاصة النرجسية المرضية، وليس في هذا اي تطاول عليه،فهي شهادة نخبة علماء النفس الامريكيين( انظر التقرير كاملا: Bandy X.Lee(Ed.)-The Dangerous Case of Donald Trump-27 Psychiatrists and Mental Health Experts Assess a President-Thomas Dunne Books 2017 ، وارجو من القراء التركيز على الصفحات من 5-12 من التقرير
3- الكذب المفرط جدا، وقد قامت مؤسسات امريكية معروفة بالتحقق من هذا الاتهام لترامب ، ووجدت مؤسسة
Washington Post Fact Checker
ومؤسسة : PolitiFact نتائج مريعة في تحققهما، ونشرت واشنطن بوست تقريرين احدهما في 24 يناير 2021 وتقرير آخر في 30 ابريل 2025 اعداد المرات التي كذب فيها كذبا لا مجال لانكاره ، واشارت الى ان ترامب في رئاسته الاولى كذب ما مجموعه ثلاثين الف و573 مرة، فاذا اضفنا لذلك كتاب البروفيسورين الامريكيين Dan P.McAdams او دراسات George Simon (وهما ابرز علماء النفس المتخصصين في المرض النفسي بخاصة النرجسية) لتبين قوة النتائج وتطابق المعطيات ودلالاتها .
4- الافتقاد التام لأدب الحوار سواء مع الصحفيين او المفكرين او الزعماء(فهو يستخدم الفاظ نابية مع اي ممن يحاورهم، بل ويتعالى بمظهرية مطلقة على من حوله).ان موقفه الاخير من البابا يثير الاستغراب، فهو يصور نفسه المسيح ويعرض صورة يمسح فيها راس شخص كما فعل المسيح ليؤكد اعجازه،ولكنه يقول " لا يهمني البابا " وبأسلوب يخلو من اي قدر من اللياقة.
5- سيكولوجية الانكار: من العسير ان تجد لترامب تصريحا واحدا يعترف به بالهزيمة، فحتى عندما هزمه بايدن ادعى تزوير الانتخابات، وفشل في تسوية ازمة اوكرانيا لكنه مصر على انه "سيد الحل هناك"، ولا يقر باي خلل في علاقاته مع ابستين رغم الشواهد الدامغة ، ولا يعترف بفشل سياساته مع الصين التي يمقتها مقتا، والصين تعلن امس عبور سفينتين صينيتين تجاريتين مضيق هرمز ولم يعترضهما احد ،لكن ترامب مصر على انه أحكم اغلاق المضيق ..الخ.
6- الجهل السياسي غير المعقول: يكفي العودة لمرجعين هامين الفهما اثنان من قلب المؤسسة الامريكية الحاكمة، الكتاب الاول : James Comey-A Higher Loyalty: Truth ,Lies, and leadership
وهذا الكاتب هو مدير سابق للإف بي آي الامريكية (226 صفحة من المعلومات المدهشة عن جهل ترامب ) ومن بين ما ورد في الكتاب المنشور عام 2018 صور يتحدث عنها المؤلف لترامب مثل صور ترامب مع مومسات في موسكو (عام 2013)،ويمكن العودة للصفحات من 179 الى 193 من الكتاب لتقرا ما هو أعجب ،ولكني اعتذر خجلا عن سردها لانها مقززة للغاية( ولاحظ ان المؤلف كان مدير اهم جهاز امني داخلي في الولايات المتحدة، وهو ما يؤهله للإطلاع على اخطر الوقائع والملفات)
اما الكتاب الثاني فهو لاحد ابرز السياسيين الامريكيين وهو مستشار ترامب السابق للامن القومي وهو جون بولتون،فكتابه The Room Where it Happened:A White House Memoir 2020
يشير باسهاب الى جهل ترامب العميق سياسيا وعلى عدم اعارته اي اهتمام لمستشاريه او الخبراء ، ويرد في الكتاب(445 صفحة) تفاصيل عن طريقة ادارته الهوجاء للملفات والاجتماعات ولقاءاته مع الزعماء(فمثلا يكون ترامب حريصا تماما على معرفة ماذا قال عنه ضيوف البيت الابيض، فهو يسال بولتون كل مرة :ماذا قال الضيف عن شخصيتي؟ وهكذا ) ، واللافت ان الكتاب يتطابق مع تقرير علماء النفس الامريكيين بقدر كبير ، وبالمناسبة يصف بولتون راي ترامب في الزعماء العرب بانهم" دفتر شيكات لا أكثر"...الخ
7- الشكوك العميقة حول علاقته بروسيا( وهذه اسهبتُ في اكثر من منشور في شرح تفاصيلها بالاسماء والارقام والمراجع، ويمكن العودة لها )
8- الثرثرة، لو تتبعت تصريحات وبيانات ترامب المكتوبة والمسموعة فانه لا يهدأ، ولا مانع عنده من الحديث في اي موضوع وفي أي مكان ، ولا يعنيه مناسبة او غير مناسبة، فهو كما قال بولتون لا يسكت ولا يستمع .
هنا سؤال العجب:
كيف لدولة تقود العالم ، وتسيرها المؤسسات ،وفيها دولة عميقة، وفيها كل ما اشرت له في المقدمة من مصادر قوة وعلم ان يكون رئيسها اقرب الى رئيس افريقيا الوسطى الاسبق "بوكاسا" ، وتشاركني العجب ابنة الشقيق الاكبر لترامب وهي استاذة علم نفس واسمها Mary L.Trump، ووضعت كتابا عن عمها عنوانه Much and Never Enough في عام 2020، وهي تؤكد كل ما سبق وان اوردناه في الدراسات الاخيرة، لكنها تشير الى انها توقعت كل شيء الا ان يكون عمها رئيسا للولايات المتحدة، فهذا هو العجب...فهل ترامب هو العجب ام امريكا هي العجب؟
ترى هل ينتهي العجب كما انتهت العجائب الاخرى ،فقد تحولت الى نُصُبٍ للفرجة...ربما.

