الدماغ بين الهِبَة والاستجمام!
الكاتب: بكر أبوبكر
كثيرًا ما تصادف المرءَ أقوال شعبية من مثل فلان دماغه كبير وفلان دماغه صغير، أو أنه ضيق الأفق أو محدود التفكير نسبة لصغر حجم دماغه! وكذلك الأمر تصادفنا مقولات شعبية من مثل أن موت خلايا الدماغ لا يعوّض. وإليكم الكذبة الأكبر التي أعطيت لفترة غلافًا علميًا أي أن الدماغ يستخدم فقط 10% من قدراته، وأن العبقري من يستخدم أكثر من ذلك وظهر من يدّعون إمكانية توسيع نطاق استخدام قدرات الدماغ الى 50% وهكذا من ترهات. (كشفت تقنيات مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) والتصوير المقطعي (PET) أن الدماغ يظهر نشاطاً في جميع أجزائه حتى أثناء القيام بمهام بسيطة أو أثناء النوم.).
الاستجمام والموت
الحقائق العلمية اليوم تدحض فكرة كبر حجم الدماغ أو صغره فهو كما خلقه الله. وإن دلّت بعض الأبحاث أنه تبع لحجم الجسم وضمن توازن عبر الزمن بينهما في حين أن لا كِبَر أو صغر عامة للدماغ بين هذا الرجل أو ذاك الا بنسب مفهومة لا تؤثر على مستوى القدرات الا بمقدار استخدامها منك أو إهمالها وعدم استخدامها.
أما عن موت خلايا الدماغ بأنه لا يتم تعويضه فلقد أثبتت الدراسات الحديثة أنه حتى الكبار بالعمر وإن قلّت خلايا الذاكرة لديهم، إلا أن قدراتهم الدماغية ومنها التفكير قابلة للتطوير وهو ما يعتمد على الاستخدام منهم. فمن يقضي حياته باللهو والعبث "والاستجمام الفكري" ولا يستخدم من عقله أية قدرة فكيف لدماغه أن يحافظ على نفسه؟ أو يطور قدراته تمامًا مثل العضلة الجسمية!؟
وهناك العديد من الأمور الأخرى المكتشفة في الدماغ من مثل أن: قوة الإبصار تمثل القدرة الأكبر من القدرات مقابل الحواس الأخرى ما يتيح لك الاستفادة باستثمارها.
عضلة لكن متعلمة
يقول الدكتور بينيت أومالو، أخصائي علم الأمراض العصبية، ومؤلف كتاب "الحقيقة لا تنحاز لأحد" أن "الدماغ أشبه بطفل مدلل ومُطالب أومتطلّب، ولكنه في الوقت نفسه ذكي وفعّال للغاية"، ويشير لأحد قدراته الفذة بالسرعة، بالقول: أن الدماغ يستغرق حوالي 1/10000 من الثانية للاستجابة لأي شيء واتخاذ إجراء ما".
يقول العلماء أيضًا أن "الدماغ يشبه العضلة. ويمكنك بالتدريب والتمرن بناء احتياطي معرفي، وتوسيع قدرة دماغك الفطرية على إنجاز المهام، من خلال أنواع مختلفة من القراءات العميقة والتعلم أو من خلال تجارب جديدة."
ويقول عالم الأعصاب الدكتور كرييف أن الدماغ يمثل طاقة لا تنضب! فلك أن تعلم أنه "لا يُستنفد مثل سعة تخزين البيانات في جهاز الحاسوب أو الهاتف الذكي".
وإلى ذلك يعمل الدماغ بسرعة فائقة، تفوق سرعة أعظم حاسوب في العالم. ويضيف قائلًا: "تنتقل المعلومات من ذراعيك وساقيك إلى دماغك بسرعة 150 ميلاً في الساعة".
استخدمه وإلا ستفقده!
انظر أيضًا ما يقوله عالم النفس د.بول ريبر الذي قدّر سعة الدماغ بحوالي 2.5 بيتابايت (أي مليون ونصف جيجابايت)، وهو ما يكفي لتخزين أشرطة مرئية (فيديو) مستمرة لمدة 300 عام. موضحًا أن الدماغ لا "يمتلئ"؛ بل إنه عندما يتعلم شيئاً جديداً، يقوم بإعادة ترتيب الروابط العصبية، وقد يتخلص من المعلومات غير المهمة تلقائياً ليفسح مجالاً لغيرها، وهو ما يجعله نظاماً حراكيًا (ديناميكياً) لا ينضب.
ويقولون أنه: "فيما يتعلق بالشيخوخة، فإن العقل الذي يبقى نشطًا ويمارس التمارين لن يُظهِر التدهور الذي قد يُظهره الآخرون". لذا خذ هذه القاعدة الحاسمة: استخدمه وإلا ستفقده!
التفكّر وصحّة الدماغ
الى ذلك فإن صحة الدماغ من صحة القدرات العقلية التي زرعها الله سبحانه وتعالى فينا، ولأنه الخالق القادر فلقد حضّنا على التفكّر والتبصر والتأمل والنظر للحفاظ على هذه الهِبة الإلهية العظيمة. ولمن يرفض أو يقصّر مع ذاته في هذا الشأن (ذنبه على جنبه كما يقول المثل العامي) فله أن يظفر بالانحدار بقدراته وصولًا إلى الانكماش ثم الغباء والإمعية والاندراج ضمن مخططات الآخرين وهيمنتهم الفكرية.
إن عملية بناء الذات للذات وفي الجماعة أو المنظمة أو المؤسسة ضرورة من كل شخص يبتغي البقاء بهيًا عفيًا متألقًا واضحًا منيرًا في ذاته ولذاته، ومشعًا للآخرين.
وعليه بذلك أن يعامل دماغه باحترام. فهو يحتاج للغذاء الصحي (يُعَدّ النظام الغذائي الغني بالدهون الصحية، مثل أوميغا 3 وأوميغا 6، ضروريًا لصحة الدماغ والجسم بشكل عام). كما يحتاج للتمرين المثابر، كما يحتاج لشحن أو إعادة شحن (للقيلولة والنوم الصحي دور بذلك) كما يحتاج منك لتعلم التركيز، وهي قدرة كغيرها من قدرات عديدة قابلة للتعلم كما الحال مع ضرورة التعلم عامة والتثقف والتفكّر واكتساب مهارات جديدة (أهمية تعلم المهارات الحياتية للجميع أو ما تسمى المهارات اللينة) والاستمتاع بالقراءات الرأسية العميقة المتنوعة وفي ذات المجال تلك التي توسع المدارك وتحافظ على وضاءة الدماغ وقواك العقلية.
الخلاصة
ببساطة شديدة نقول إن الدماغ آلة الرب سبحانه التي زرعها فيك كما هو حال الأعضاء الأخرى ولكلّ خاصيته ولهذه الآلة التي تشكل 3% من وزن الانسان أهمية عظمى فهي تستهلك 30% من الدم، وهي قادرة على الإضاءة كمصباح وبها تنوع في الخلايا وليس فقط الخلايا العصبية ما يجعلها قادرة على رسم حياتك أمامك، وكأنك أنت من يُربّي دماغه ويصنعه بعد تمام خلقه من المولى عز وجل فلا تقصّرفي حقّه أبدًا.

