فتح أمام لحظة الحقيقة: مؤتمرٌ يُنقذ الحركة .. أم يُعيد إنتاج أزمتها؟
الكاتب: د. ياسر أبو بكر
ليست كل المؤتمرات متشابهة. هناك مؤتمرات تُعقد لتسجيل الحضور، وأخرى تُعقد لصناعة التحول. والمؤتمر الثامن لحركة "فتح" لا يملك ترف أن يكون من النوع الأول. نحن أمام لحظة لا تحتمل المجاملة، ولا تقبل اللغة الرمادية. إما أن تُحسن الحركة قراءة نفسها بجرأة، أو تُترك لتُستهلك ببطء تحت وطأة التراكمات.
لقد قيل كثيرًا إن "فتح" تمرّ بمرحلة جديدة وسط تحديات وجودية. وهذا توصيف صحيح .. لكنه ناقص. فالمشكلة ليست فقط في حجم التحديات، بل في طبيعة الاستجابة لها. التحدي الحقيقي ليس في الخارج، بل في الداخل: في كيفية إدارة الحركة لنفسها، وفي قدرتها على الانتقال من منطق "الرمزية التاريخية" إلى منطق "الفاعلية السياسية".
أولًا: السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مواربة؟
قبل البرامج، وقبل الشعارات، وقبل التوصيات .. هناك سؤال واحد يجب أن يتقدم كل النقاش:
من يملك القرار داخل فتح؟ وكيف يُتخذ؟
دون إجابة واضحة على هذا السؤال، سيبقى أي حديث عن الإصلاح مجرد تجميل لغوي. فالأزمة ليست أزمة نصوص، بل أزمة بنية. ليست أزمة خطاب، بل أزمة إدارة.
ثانيًا: الإصلاح ليس شعارًا .. بل كلفة:
كثيرًا ما تُرفع عبارة "إعادة ترتيب البيت الداخلي"، لكن الحقيقة أن ترتيب البيت لا يتم بإعادة طلاء الجدران، بل بإعادة توزيع الغرف. أي إصلاح حقيقي داخل "فتح" سيصطدم حتمًا بمصالح قائمة، وبشبكات نفوذ اعتادت الاستقرار.
لذلك، يجب أن يكون واضحًا:
الإصلاح الذي لا يُزعج أحدًا .. لا يُصلح شيئًا.
ثالثًا: الشباب ليسوا زينة تنظيمية:
الحديث عن "تمكين الشباب" أصبح جزءًا من القاموس الجاهز، لكنه في الواقع لا يزال محدود الأثر. إدخال الشباب لا يعني تعيين وجوه جديدة في مواقع قديمة، بل يعني إعادة تعريف أدوار الحركة نفسها.
السؤال هنا ليس: كم عدد الشباب في المؤتمر؟
بل: هل يمتلكون القدرة الفعلية على التأثير؟
رابعًا: البرنامج السياسي بين الثوابت والجمود:
"فتح" ليست مطالبة بالتخلي عن ثوابتها، لكنها مطالبة بمراجعة أدواتها. الثبات على الهدف لا يعني الجمود في الوسائل. والمشكلة أن الحركة، في كثير من الأحيان، دافعت عن أدواتها أكثر مما دافعت عن قدرتها على تطويرها.
في عالم يتغير بسرعة، لا يكفي أن تكون على حق .. بل يجب أن تكون قادرًا على الفعل.
خامسًا: استعادة الثقة لا تُفرض .. بل تُبنى:
الثقة الشعبية لا تُستعاد عبر البيانات، بل عبر السلوك. المواطن الفلسطيني لا ينتظر خطابًا جديدًا، بل تجربة مختلفة. يريد أن يرى حركة تُنصت، لا تُلقي فقط. تُشرك، لا تُقرر وحدها.
وإذا كان المؤتمر الثامن لا يُنتج تغييرًا ملموسًا في العلاقة مع الناس، فإنه سيفقد أحد أهم مبرراته.
سادسًا: الأسرى .. البعد الأخلاقي الذي يرفع سقف المؤتمر.
في خضم كل هذا النقاش، يبقى حضور الأسرى - خاصة أولئك الذين خاضوا تجربة الاعتقال طويلًا - عنصرًا نوعيًا لا يجوز التعامل معه كتمثيل رمزي.
الأسرى ليسوا "فئة"داخل الحركة .. بل هم ضميرها الحي. حضورهم في المؤتمر بعدد وازن لا يضيف فقط ثقلًا معنويًا، بل يفرض معيارًا أعلى للمسؤولية. فهم يحملون تجربة نضالية صافية، بعيدة عن تعقيدات المصالح اليومية، وقريبة من جوهر القضية كما دُفعت أثمانها الحقيقية.
لكن الأهم من حضورهم .. هو ما يترتب عليه:
وجود الأسرى في المؤتمر يجب أن يتحول من "تكريم" إلى "تكليف".
تكليف بأن يكونوا:
عنصر توحيد لا اصطفاف
صوتًا أخلاقيًا ضاغطًا باتجاه الإصلاح
عامل توازن في لحظة قد تميل فيها الحسابات نحو المصالح الضيقة
وهنا، تتضاعف المسؤولية عليهم بقدر ما يرتفع سقف التوقعات منهم. فالمطلوب ليس أن يكونوا شاهدين على ما يجري، بل شركاء في إعادة تشكيل المسار.
قد لا يكون الطريق الذي يفرضه هذا الدور مريحًا، وقد يضعهم في مواجهة مباشرة مع مراكز قوة داخلية، لكن:
ما يمنحهم شرعية التأثير .. هو قدرتهم على قول ما لا يُقال.
سابعًا: المؤتمر كفرصة .. أو كعبء إضافي:
المؤتمر القادم يمكن أن يكون:
نقطة انطلاق جديدة تعيد تعريف الحركة ودورها
أو
محطة شكلية تُضاف إلى سجل المؤتمرات دون أثر حقيقي.
الفارق بين الخيارين ليس في النصوص التي ستُكتب، بل في القرارات التي ستُتخذ، وفي الجرأة على تنفيذها.
الخلاصة: لحظة لا تحتمل التأجيل
"فتح" لا تعاني من نقص في التاريخ، بل من ضغط الحاضر. ولا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى وضوح في الاتجاه. المؤتمر الثامن ليس مناسبة تنظيمية عادية، بل اختبار حقيقي لقدرة الحركة على البقاء فاعلًا مركزيًا في المشروع الوطني.
إما أن تختار فتح أن تُعيد بناء نفسها بوعي وشجاعة،
أو أن تستمر في إدارة أزمتها بلغةٍ أفضل.
وفي قلب هذا الاختبار، سيكون لضمير الحركة - ممثلًا بأسراها - دورٌ حاسم:
إما أن يرفع سقفها .. أو يكشف عجزها عن الارتقاء إليه.
والفارق بين الخيارين .. هو مستقبلها.

