الحرب... وأمّ القضايا
الكاتب: نبيل عمرو
في حوارٍ جرى مع الشاعر الفلسطيني الأكبر محمود درويش، لخّص حال القضية الفلسطينية وقوة حضورها في الحياة السياسية الإقليمية والدولية، قائلاً: لأن طرف الصراع فيها هو إسرائيل.
ما قصده درويش، أن القضايا تكتسب أهميتها من أهمية أطرافها ومكانتهم، فإسرائيل صاحبة التحالفات الأقوى والتي تقدّم نفسها كممثلٍ ليهود العالم، ومكانٍ وحيدٍ لكيانهم السياسي، إضافةً إلى انتشار النفوذ الصهيوني في شتى المجالات، وخصوصاً في الولايات المتحدة ودول الغرب، كلّ ذلك جعلها في وضعٍ يكون المساس بها مثار اهتمامٍ دولي.
وبالمقابل، فإن الفلسطينيين لم يكونوا الطرف الوحيد في الصراع، فكل حربٍ خاضتها إسرائيل، كانت فلسطين سببها، والمحيط العربي عمقها، والعالم الإسلامي حاضنتها الروحية والسياسية، ولهذا نشأت ازدواجيةٌ ميّزت حضورها وبقائها كقضيةٍ يستحيل تصفيتها، ومشروع حلٍ كل ما بدا ممكناً يبدو قريبا من المستحيل، ليعود ممكناً في ظرفٍ آخر.
ظلّ الصراع محتدماً بين إسرائيل وفلسطين، ومن ورائهما على مستوى العالم، وأصدق وصفٍ أنتجته هذه الحالة هو أنه صراعٌ وجودي لكل طرفٍ من أطرافه.
ولقد نشبت حروبٌ عديدة، إن لم تكن القضية الفلسطينية السبب المباشر فيها، كانت عنوانها أو ذريعتها، وكان مجرد وجود إسرائيل فيها بأيّ شكلٍ من الأشكال، بمثابة حضورٍ للقضية الفلسطينية، ومحرّضٍ دائمٍ للعالم على التفكير بإيجاد حلٍ لها.
على مدى القرنين الماضيين، بقيت القضية الفلسطينية على أجندة العالم، تسطع تارةً وتخبو تارةً أخرى، ولقد تكرّست أعجب ظاهرة في القرنين، عنوانها يتطابق مع مضمونها، كقضيةٍ تتكرس وتتقدم وحلولها تتراجع وتبتعد وهكذا.
الحرب الراهنة، وتكاد تكون الأهم في سلسلة الحروب التي وقعت في الشرق الأوسط، اندلعت من فلسطين ولنؤرّخ لهذا الفصل، بزلزال طوفان الأقصى، والردّ الإسرائيلي عليه، بالسيوف الحديدية التي أنتجت حرب الإبادة على غزة، ثمّ ما لبثت وأن امتدت واتسعت لتطال إيران، بما جعلها حرباً إقليمية إن لم تكن أُعلنت بهذه التسمية، فهي كذلك في الواقع، وإذا ما أُضيف تأثيرها على مستوى العالم، فهي كونيةٌ بامتياز.
في هذه الحرب التي لم تكن قضية فلسطين خصوصاً في الفصل الراهن منها، هدفها المُعلن والمباشر، فإن ما تريده إسرائيل منها، هو أولاً وأساساً تصفية القضية الفلسطينية، وجعل حلّها بقيام دولتها أمراً مستحيلاً بما تراهن عليه من فرض نفوذها الإقليمي، وتعميق سيطرتها على أرضها الأساسية، أي الضفة الغربية، وفي هذا السياق ظهر مصطلحٌ يجري تداوله على وهج النار المشتعلة في المنطقة، يقول إن الخاسر الأكبر فيها هم الفلسطينيون، وإن دولتهم المنشودة فقدت أرضها، وإن شعبها الذي يعدّ ما يربو عن خمسة عشر مليوناً داخل الوطن وخارجه، أضحى مرشحاً للتهجير القسري والطوعي، فمن هم خارج فلسطين مصيرهم اللجوء الأبدي، ومن هم داخلها فلا مستقبل سياسياً لهم، ويستند أصحاب هذا القول، وجلّهم من العرب، إلى أن الحرب الكبرى التي تدور رحاها حالياً نقلت الاهتمام الدولي من مكانه الفلسطيني، إلى مكانٍ آخر، فمن يتذكر غزة والضفة والقدس والدولة؟ بينما تتصدر الحرب على إيران المشهد الدولي، فقد تجمّدت المبادرة الأمريكية حول غزة، وضعفت المتابعة الدولية لما تفعل إسرائيل في الضفة، ولما تفعل في لبنان، ولقد جرى تهويلٌ لجملةٍ وردت على لسان نتنياهو، بأن لديه حنيناً لإسرائيل الكبرى، وجرى التعامل معها كما لو أنها اقتطاعٌ حتمي من أراضي الدول العربية المجاورة، وإخضاعها والتحكم بمصائر شعوبها من خلال ما يقوله نتنياهو عن هيمنةٍ مطلقةٍ على الشرق الأوسط، ونفوذٍ شاملٍ على مستوى العالم كله!!
بديهيٌ أن ينشأ قلقٌ على إمكانية حل القضية الفلسطينية بقيام الدولة، أو حتى شبه دولة، إذا ما نُظر للأمر من زاويةٍ إسرائيليةٍ صِرفة، وبديهيٌ أكثر أن يتراجع الاهتمام بغزة والضفة، ليتجه إلى الحرب مع إيران، وتداعياتها الإقليمية والدولية، غير أن ما يجدر الانتباه إليه، هو أن الاهتمام بالقضية الفلسطينية منذ نشأتها كان على الحال ذاته.. اهتمامٌ يشترك فيه العالم كله، وينتج فعالياتٍ جديةٍ في محاولات حل، واهتمامٌ يتراجع مع كل حدثٍ أكبر يجري في الشرق الأوسط أو العالم، غير أن ما لا يصحّ تجاهله، هو ما ثبت فعلاً من عودة الاهتمام بالقضية الفلسطينية، ما أن تضع أي حربٍ أوزارها.
حرب الخليج فعلت ذلك لمن يتذكر، ولا يوجد ما يمنع من أن يتكرر الفعل ذاته بعد هذه الحرب، دون إغفال التقدم، بالاعترافات بالدولة الذي أنتجته السعودية وفرنسا، ممثلتين للعالم كله، وجذبتا إليه المؤسِسةُ الفعلية لدولة إسرائيل.. بريطانيا، بينما كانت حرب غزة وتهديدات إسرائيل بالضم والتهجير على أشدّها، دون التقليل من وزن وجود سبعة ملايين فلسطيني على أرض غزة والضفة والقدس، يتّحدون بالمطلق في البقاء على أرض الوطن، ويعتنقون بإصرار أقوى من الحسابات الآنية، حقّهم في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم.
وفي إسرائيل حيث الخصم الرئيسي، وفي العالم من يحترم ذلك ويراه أساساً لاستقرارٍ مفقودٍ ولكنه منشود، في الشرق الأوسط والعالم.
المعادلة المتكرسة قبل وبعد أي حربٍ في الشرق الأوسط، إمّا حلٌ لأم القضايا بقيام دولتها، أو صراعٌ دائمٌ يهدأ تارةً لينفجر دائماً.

