21 آذار: حين تلتقي الأم بالكرامة في درس فلسطين الأكبر
الكاتب: د. ياسر أبو بكر
قد يكون تزامن عيد الأم مع معركة الكرامة مجرد مصادفة زمنية، لكن ما بينهما من معنى ليس مصادفة أبدًا. ففي هذا اليوم، لا نلتقي مع حدثين منفصلين، بل مع دلالتين تتقاطعان في جوهر واحد: الأم التي تُنشئ الإنسان، والكرامة التي تصنع التاريخ.
في 21 آذار 1968، لم تكن الكرامة مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة استعادة للثقة بعد انكسارٍ ثقيل. لم يكن الانتصار فيها تفوقًا في العتاد بقدر ما كان انتصارًا لإرادة إنسان رفض أن يُختزل في الهزيمة. وهذا الإنسان لم يُصنع في ساحة المعركة، بل في بيوتٍ علّمت أبناءها أن الكرامة ليست شعارًا، بل طريقة عيش، وأن السقوط لا يصبح هزيمة إلا إذا استقر في الوعي.
وهنا، تبدأ الحكاية الحقيقية.
الأم الفلسطينية لم تكن يومًا مجرد رمز للحنان، بل كانت - وما زالت - أول مؤسسة تربوية في هذا المجتمع. في حضنها يتشكل المعنى الأول للانتماء، وفي كلماتها الأولى يتعلم الطفل أن له اسمًا، وله أرض، وله حق لا يُفرّط فيه. هي التي تحوّل الخوف إلى صبر، والفقد إلى معنى، والغياب إلى ذاكرة لا تموت. كثير من الرواية الفلسطينية لم تُكتب في الكتب، بل حُفظت في صدور الأمهات، وانتقلت من جيل إلى جيل كفعل بقاء لا كحكاية فقط.
لكن السؤال الذي يجب أن نواجهه اليوم بجدية:
هل ما زلنا نحسن تحويل هذه التربية إلى تعليم؟
في زمن تتكاثر فيه الأزمات وتشتد فيه الضغوط على المجتمع، يصبح الخطر الحقيقي ليس فقط في الاحتلال أو الحصار، بل في أن يتحول التعليم إلى عملية تقنية بلا روح. تعليم ينجح في إنتاج طلاب يجيدون الإجابة، لكنه يفشل في صناعة إنسان يفهم، ويحلل، ويختار موقعه في التاريخ. نحن لا نحتاج اليوم إلى مزيد من الحفظ، بل إلى مزيد من الوعي. ولا إلى تعليم يُهيّئ للحياة فقط، بل إلى تعليم يجيب عن سؤال: لماذا نعيش، ولأجل ماذا نصمد؟
معركة الكرامة، بهذا المعنى، ليست حدثًا في الماضي، بل مادة تربوية حية. ليست قصة نرويها، بل سؤال نطرحه: كيف يُصنع الأمل من قلب الهزيمة؟ كيف يتحول الإنسان من متلقٍ للضربة إلى فاعل في التاريخ؟ كيف تُبنى الثقة بالنفس في أكثر اللحظات قسوة؟ هذه ليست أسئلة عسكرية، بل أسئلة تعليمية بامتياز، يجب أن تكون حاضرة في مناهجنا، وفي طريقة تدريسنا، وفي خطابنا التربوي.
والأهم من ذلك كله: كيف نكتب روايتنا نحن؟
إنَّ الرواية الفلسطينية ركيزة من ركائز الوجود. وإذا لم تُبنَ داخل المدرسة كما تُبنى في البيت، فإنها ستبقى هشّة أمام روايات أخرى أكثر تنظيمًا وانتشارًا. التعليم هنا ليس مجرد نقل معرفة، بل فعل سيادي. والمعلم ليس ناقلًا للمعلومة فقط، بل شريك في تشكيل الوعي. والطالب ليس متلقيًا، بل حامل محتمل للحكاية إلى المستقبل.
وفي قلب هذه المعادلة، تقف الأم من جديد…
لا بوصفها ذكرى عاطفية، بل بوصفها الأصل الذي تُبنى عليه كل معاني الكرامة.
في هذا اليوم، لا يكفي أن نحتفي بالأم، ولا أن نستعيد ذكرى الكرامة. الأجدر أن نسأل: ماذا نفعل بهذين المعنيين في حاضرنا؟ كيف نحوّلهما من مناسبة إلى منهج، ومن خطاب إلى ممارسة؟ كيف نجعل من التعليم أداة لإعادة إنتاج الإنسان القادر على الصمود، لا مجرد فرد يحاول النجاة؟
21 آذار ليس يومًا عابرًا في التقويم، بل مرآة نرى فيها أنفسنا:
هل ما زلنا نربّي كما يجب؟ هل ما زلنا نعلّم كما ينبغي؟ هل ما زلنا نؤمن أن الكرامة تُصنع؟
وكل عام وأمهات فلسطين بخير…
وكل عام، ونحن أقدر على أن نحوّل الألم إلى وعي،
والوعي إلى فعل،
والفعل إلى كرامة لا تُهزم.

