الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:40 AM
الظهر 11:50 AM
العصر 3:10 PM
المغرب 5:46 PM
العشاء 7:01 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

️ نقطة ضوء.. خمسون شيكلاً فقط

الكاتب: د. عدنان ملحم

 “ذهبتُ إلى البنك ذلك اليوم لأودع مبلغاً كبيراً في حسابي. كان الأمر عادياً في ظاهره؛ معاملة مالية لا أكثر. فقد كان عليّ تسديد شيك مستحق لتاجر أتعامل معه، وأردت أن أنهي الإجراء بسرعة.

قدّمت المبلغ إلى الموظف، فاعتذر بلطف قائلاً إن هناك سقفاً محدداً للمبالغ التي يمكن إيداعها دفعة واحدة. ولذلك لم يكن أمامي إلا مقابلة مدير البنك.

دخلت غرفة المدير، ووجدت نفسي فجأة أمام مشهد لم أكن أتوقعه: شاب في مقتبل العمر يقف أمام المكتب، ملامحه متعبة، وصوته منخفض، يحاول أن يبدو متماسكاً. كان يطلب سلفة مقدارها خمسون شيكلاً فقط ليشتري بعض الحاجيات لأسرته.

كان مدير البنك ينظر إلى شاشة الحاسوب أمامه، يراجع معلوماته البنكية، ثم يقول له بلهجة هادئة: “لقد سحبت راتبك مقدماً بالكامل… لا يوجد أي رصيد في حسابك”. حاول الشاب مرة أخرى، لم يكن يطلب قرضاً كبيراً، فقط خمسون شيكلاً. لكن الأرقام على الشاشة كانت أكثر قسوة من حاجته. صمت الشاب قليلاً، ثم خرج من الغرفة مكسور الخاطر، وفي خطواته وجع صامت يعرفه أبناء هذه البلاد جيداً.

سألت مدير البنك: “من هذا الشاب؟” قال: “موظف حكومي”، ثم أخذ يروي لي شيئاً من ظروفه الصعبة، ومن حال كثيرين مثله يعيشون بين راتب يتآكل وأعباء حياة لا ترحم. قلت له: “دعني أعطيه أنا ضعف المبلغ الذي طلبه… هل ترى مانعاً؟” ابتسم ابتسامة حيادية، وقال: “القرار يعود لك… هل تعرفه؟” قلت: “لا… لكنه واحد من أبناء هذا الشعب”.

خرجت إلى صالة البنك، وكان الشاب يهمّ بمغادرة المكان. اقتربت منه، سلمت عليه، ووضعت في يده مبلغاً من المال. ارتبك، وسحب يده بسرعة. قال بإصرار: “لا… لا أستطيع أن آخذ هذا”. أصررت، وأصرّ هو أيضاً على الرفض. ثم سألني: “هل تعرفني؟” قلت له: “أنت بمثابة أخ وصديق قابلته صدفة بعد انقطاع طويل”. صمت لحظة، ثم نظر إلي طويلاً، ووضع المال في جيبه ومضى.

عدت إلى داخل البنك، أنهيت إيداع المبلغ، ثم خرجت. لا أعرف حتى هذه اللحظة كيف وصلت إلى سيارتي… كيف قدتها… كيف وصلت إلى منزلي. هناك شيء في صدري أثقل من أن يُحمل. طوال الطريق، سؤال واحد يلاحقني: كم واحداً من أبناء هذا الشعب يعيش مثل هذا الموقف كل يوم؟ كم موظفاً حكومياً يقف اليوم أمام متجر أو صيدلية أو بنك، عاجزاً عن توفير أبسط احتياجات بيته؟.

▪️ هذه ليست قصة خمسين شيكلاً، إنها قصة وطن. فالشعب الفلسطيني يعيش اليوم تحت حصار مالي قاسٍ. تحتجز حكومة تل أبيب أمواله، وتستخدم الاقتصاد أداة للضغط عليه ودفعه لليأس. لكن هناك حقيقة واضحة لا يجوز الهروب منها أيضاً: هذه الحالة كشفت ضعفاً واضحاً في إدارة الأزمة داخل مؤسساتنا. فالأزمات الكبرى تحتاج إلى سياسات جريئة، وإلى إدارة مالية شفافة، وإلى ترتيب صارم للأولويات. الناس لا تطلب المعجزات، هي فقط تريد أن تشعر أن هناك من يقف  إلى جانبها في زمن الضيق، وأن جميع أفرادها يواجهون التيار نفسه.

ما نراه في الواقع هو إدارة مرتبكة للأزمة، وسياسات مالية لا تزال تتحرك بعقلية الأيام العادية، بينما المجتمع يعيش ظرفاً استثنائياً. لم ننجح في بناء خطة اقتصادية طارئة تحمي الفئات الأكثر ضعفاً، ولم ننجح في تحويل الأزمة إلى قضية سياسية يراها العالم بوضوح. بل إن أخطر ما في إدارة هذه الأزمة هو الصمت. فالشعب الذي يختنق اقتصادياً لا ينبغي أن يُطلب منه أن يختنق بصمت أيضاً.

يجب تشجيع الموظفين على أن يرفعوا صوتهم، ويصرخوا بطريقة حضارية ومنظمة داخل مساحات سلطتنا، ليعرف العالم حجم المأساة التي يعيشها الناس هنا. العالم لا يرى ما نخفيه، ولا يسمع ما نصمت عنه. وعندما تبقى المعاناة محصورة داخل البيوت والبنوك والمتاجر، فإنها تتحول في نظر الخارج إلى مشكلة مالية عادية، لا إلى مأساة يعيشها شعب بأكمله تحت الاحتلال والحصار.

▪️ الحقيقة البسيطة التي يجب أن نتذكرها دائماً هي أن الشعب الفلسطيني هو خيمتنا الوحيدة. هو السيف والترس والهواء. إذا صمد، بقي الوطن. وإذا أُرهق حتى العجز، فإن أخطر ما يريده الاحتلال يكون قد تحقق. ذلك الشاب الذي طلب خمسين شيكلاً لم يكن حالة فردية، بل كان مرآة صادقة لوجع آلاف الموظفين، ووجع مجتمع كامل يحاول أن يعيش بكرامة.

قصة جعلتني اليوم أعجز عن الإفطار عندما ارتفع أذان المغرب من مئذنة الجامع القديم في عنبتا. جلست صامتاً أمام المائدة، واللقمة عالقة في حلقي، كأن بيني وبينها جبلاً من الوجع. ظلّ المشهد يطاردني: شاب يبحث عن خمسين شيكلاً ليعود إلى بيته مرفوع الرأس. قصة تلخص حكاية وطن، وشعب يحاول أن يعيش بكرامة على أرضه.”

 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...