الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:41 AM
الظهر 11:51 AM
العصر 3:09 PM
المغرب 5:45 PM
العشاء 7:00 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

حين تخاف المدن من نفاد الوقود: قراءة في سلوك المجتمع وإدارة الدولة للأزمات

الكاتب: براء سلمان - كاتب وباحث في العلوم السياسيه

استيقظت على طبول حرب دقّت قبل أن يكتمل ضوء الشمس الساطع بين ثنايا جبلي جرزيم وعيبال. غسلت وجهي بماء شباط البارد لأستيقظ جيداً وأفهم ما يحصل حقاً. أقرأ من هاتفي أول الأخبار، فتتسلل إلى عقلي فكرة أن السيارة فارغة إلا من بعض قطرات الوقود. أخرج نحو محطة الوقود أحمل في داخلي قلقاً صغيراً بحجم خزان فارغ. أتساءل وأنا أقود سيارتي: هل سأحصل على بضع لترات تعيد للعجلات قدرتها على الدوران؟ هل ما زال الناس نياماً أم سبقوني كما في المرات السابقة؟

لكنني ما إن اقتربت حتى بدأ يتراءى إلى ناظري مشهد أمسك بذاكرتي ليعيدها قسراً إلى زمن آخر ليس ببعيد. كانت صفوف السيارات تتلوى كأفعى مذعورة، أصوات الأبواق تتشابك، ووجوه الرجال خائفة شاحبة غبراء. رجال تصرخ، سيارات عكس السير تغلق الطريق. حدّقت طويلاً، ثم انسحبت روحي إلى زمن السجن في سنوات الحرب، حيث كانت المياه تأتي ساعة واحدة في اليوم، ساعة يتيمة تتدفق فيها الحياة من صنابير صدئة. يتسابق الأسرى نحو الماء كأنهم يطاردون بقاءهم في صراع ملء القنينة الصغيرة التي ستروي عطشهم ليوم كامل. بعضهم يعلو صوته، والآخر يدفع أخاه صارخاً: هذا دوري. والسجّان الذي يمنعنا من تنظيم أنفسنا أو تهدئة الفوضى بالضرب أو العزل، ينظر إلينا من قريب بابتسامة خبيثة شامتة.

يسحبني حبل الواقع فيعيدني لأرى ذات المشهد يتكرر خارج أسوار السجن بوجه مختلف، لكن بالعيون الخائفة نفسها من نفاد نصيبها. فالفوضى تتكاثر حين يغيب من يلمّها، أو حين يصبح الحق في بضع لترات مسألة نجاة شخصية. وقفت أمام المحطة بين ماضٍ مجروح وحاضر مضطرب، فأدركت أن الخوف من الندرة يخرج ذلك الصوت المرتجف، وأن غياب التنظيم يخلق حالة فوضى وعنف لا يجف.

في لحظات الوقوف الطويلة بدأت الاسئلة تتساقط على عقلي كحجارة من سجيل : لماذا نعاني دائماً من مشكلة في الوقود؟ هل هو غياب التخطيط الاستراتيجي للطوارئ؟ أم أن هناك أزمة في تحديد من هو المسؤول؟ ولماذا هناك مدن منضبطة وأخرى عشوائية؟ والسؤال الكبير: لماذا تتكرر الأزمة مع كل حدث محلي أو إقليمي أو دولي؟

يعمل قطاع المحروقات الفلسطيني ضمن قيود هيكلية ترتبط بـ بروتوكول باريس الاقتصادي، الذي ربط استيراد الوقود بالسوق الإسرائيلية، مما خلق اعتماداً أحادياً على موارد خارجية، وسبب ضعفاً في سلاسل الإمداد ومحدودية في تحديد الأسعار. وبالتالي فإن أي توتر إقليمي أو إغلاق للمعابر أو هبات داخلية ينعكس على السوق المحلية، ليخلق أزمة بنيوية لا آنية.

في إدارة الأزمات، تُعد القدرة على الاستعداد المسبق معياراً لجاهزية الدولة. وفي الحالة الفلسطينية، ما نراه يتمثل بغياب مخزون استراتيجي طويل الأمد، وعدم محاكاة السيناريوهات المتوقعة، بالإضافة إلى عدم وضوح بروتوكولات التوزيع عند الطوارئ. كما أنني لاحظت أن مؤسساتنا تميل إلى توزيع المسؤولية أفقياً حتى لا يتحمل أحد العواقب المترتبة على النتائج؛ فوزارة الاقتصاد تلقي باللوم على هيئة البترول، ووزارة المالية تحمل المسؤولية للمحافظين ورؤساء البلديات، والأجهزة الأمنية والشرطية تنفي أن هذه وظيفتها. والحقيقة أن غياباً لوجود مركز أزمة موحد أدى إلى تبادل الاتهامات بدلاً من إدارة الموقف.

فوجود مدن تمتلك نمطاً مؤسسياً منضبطاً يُظهر قدرة على تنظيم الطوابير وضبط البيع وتفادي الأزمة، بينما المدن ذات التنظيم الضعيف تشهد سلوكيات احتكارية وتخزيناً مفرطاً. وهذا السلوك يتولد حين يشعر الفرد بالخطر فيتوجه إلى التخزين؛ فالخطر الذي تولده الإشاعات يخلق طلباً اصطناعياً يفوق الطلب الفعلي والحاجة الحقيقية. إن أي خبر عن حرب أو إغلاق يولد استجابة استباقية دفاعية ينتجها غياب الثقة المؤسسية، التي تدفع الأفراد للبحث عن استراتيجيات فردية بسبب ذاكرة مليئة بتجارب لم ترَ تنظيماً أو إدارة ناجحة للأزمة.

وهذا يقودنا للتساؤل: من المسؤول عن ضبط الأمر؟ من وجهة نظري كلنا مسؤول وطنياً وأخلاقياً ودينياً، ولكن هناك مسؤولية مؤسسية تنظيمية تقع على ثلاث مستويات رئيسية: المستوى السياسي الاستراتيجي من خلال وضع خطة طوارئ وطنية للطاقة وباقي القطاعات، والمستوى التنفيذي الإداري الذي يدير عملية التوزيع والرقابة الميدانية بحيث يكون محدداً بوضوح، والمستوى الإعلامي الذي يحمل على عاتقه مهمة توحيد الرسالة، وتفادي التهويل، وتبديد المخاوف، ومحاربة الإشاعات، وطمأنة المواطن.

إن نجاح هذه المستويات الثلاث ومعالجة الظواهر السلبية لا تتم عبر ردود افعال مؤقتة او تبادل للمسؤوليات بل يعتمد على مجموعة عوامل تتمثل في: إنشاء مخزون استراتيجي لمدة لا تقل عن ستين يوماً، تأسيس مجلس وطني لأمن الطاقة والأمن الغذائي والمتطلبات الأساسية الأخرى، اعتماد أنظمة توزيع ذكية رقمية تحدد الحصص وقت الأزمات، إجراء تمارين محاكاة دورية لأزمات محتملة، تعيين ناطق رسمي للأزمة، نشر بيانات كمية يومية تطمئن المواطنين عن الكميات لتبديد المخاوف، تفنيد الإشاعات بأسرع وقت، تقديم تطمينات قائمة على الأدلة، تعزيز ثقافة المسؤولية الجماعية، سن تشريعات تمنع وتحارب الاحتكار والتخزين، واشراك القطاع الخاص.

وهكذا،فان ازمه المحروقات ومشهد الطوابير امام محطات الوقود ليس مجرد خلل اداري عابر بل تعبير عن ضعف بنيوي عميق في عمليه الاستعداد للازمات يبدا بغياب التنسيق المؤسسي وازمه ثقه مجتمعيه وضعف اداره اتصال استراتيجية وينتهي بسلب السيادة الاقتصادية،

ومع ذلك فان ادراك جذور المشكلة يمثل الخطوة الاولى نحو معالجتها لان المجتمعات التي تفهم ازماتها بعمق تكون اكثر قدره على تحويل الازمات الى فرص لإعادة بناء النظام وتعزيز ثقافه التنظيم والمسؤولية المشتركة والثقة بالمؤسسات والجهات المسؤولة في مواجهه المستقبل مهما كان قاسيا وغير متوقع.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...