الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:50 AM
الظهر 11:52 AM
العصر 3:06 PM
المغرب 5:39 PM
العشاء 6:54 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

إمْبِرَاطُورِيَّاتُ المَخْدِرَاتِ أَدَاةٌ اِسْتِرَاتِيجِيَّةٌ لِلْوِلاَيَاتِ المُتَّحِدَةِ لِلتَّدَخُّلِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ

الكاتب: د.محمد عودة

ما يحدث اليوم في المكسيك ليس صدفة، أزمة المواد المخدرة التي يتم تصديرها الى امريكا (الفنتانيل، الكوكايين، الميثامفيتامين، الهيروين، الماريجوانا، الأوكسيكودون، المورفين، الكراك )و العنف الناتج عن تصدي الدولة المكسيكية للكارتلات المختصة بذلك تشكل جزء من نمط استراتيجي أوسع يعود إلى قرون من النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية. منذ إعلان عقيدة مونرو عام 1823، اعتبرت الولايات المتحدة القارة “حديقتها الخلفية”، مبررة أي تدخل لحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية تحت ذرائع أخلاقية وأمنية. اليوم، يتكرر هذا النمط في المكسيك، حيث تُستغل الأزمات الداخلية لإضعاف الحكومة، السيطرة على الجهات الفاعلة، والحفاظ على الهيمنة الأمريكية دون تدخل مباشر.

السيناريو الحالي لم يظهر من فراغ؛ فهو نتاج استراتيجية تاريخية توظف الأزمات المحلية، الحراكات الشعبية، والكارتلات المسلحة كأدوات للضغط السياسي. ما نراه اليوم من فنتانيل، كارتلات، وصراعات داخلية يعكس نموذج إدارة أزمات مستمرة، مستندًا إلى نفس العقلية التاريخية التي استخدمت في كوبا، تشيلي، غرينادا، بنما وفنزويلا. بهذا المنظور، المكسيك ليست مجرد دولة تعاني أزمة مخدرات، بل ساحة اختبار لاستراتيجيات نفوذ وسيطرة دقيقة، حيث تُستخدم الذرائع الأخلاقية والأمنية لإخفاء الأهداف الحقيقية.

منذ عقيدة مونرو، رسمت الولايات المتحدة رؤيتها لأمريكا اللاتينية باعتبارها "حديقة خلفية"، حيث أي تدخل خارجي أو تهديد داخلي يُواجه من أجل حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية. لم تتغير هذه العقلية، بل تطورت لتصبح أكثر دقة ودهاءً، مستغلة أي أزمة أو حراك شعبي كفرصة لتعزيز السيطرة، مع الاحتفاظ بغطاء أخلاقي وأمني يبرر التدخل أمام الرأي العام المحلي والدولي.

اليوم المكسيك ليست مجرد دولة متأثرة بأزمة مخدرات، بل ساحة اختبار لنمط استراتيجي أمريكي قديم وحديث في آن واحد. تُستغل أزمة الفنتانيل والصراعات الداخلية لإضعاف الحكومة وإعادة تشكيل السلطة بطريقة تخدم مصالح واشنطن، مع إبقاء الأسباب المعلنة أخلاقية وأمنية، بينما تبقى الحقيقة خفية، تتعلق بالنفوذ والسيطرة والهيمنة على المنطقة بأكملها.

الفنتانيل لم يعد مجرد وباء مخدرات، بل أصبح أداة استراتيجية متكاملة لإدارة أزمة داخلية وتحقيق أهداف متعددة دون تدخل أمريكي مباشر. ما يحدث على الحدود الجنوبية وفي المكسيك يظهر بوضوح كيف يمكن توظيف الكارتلات وصناع الفنتانيل كأدوات ضغط داخلي على الحكومة المكسيكية، مع إبقاء الذرائع الأخلاقية والأمنية قائمة أمام الرأي العام.

الأزمة تصاعدت بعد مقتل نيميسيو أوسيغيرا سيرفانتيس المعروف بـ"إل منتشو"، زعيم كارتل خاليسكو للجيل الجديد، في عملية عسكرية ضخمة نفذتها القوات المكسيكية. موجة العنف الناتجة ضد مؤسسات الدولة، حواجز الطرقات، وأعمال الانتقام، توضح قدرة الكارتلات على خلق فوضى يمكن توظيفها داخليًا، بحيث تبدو الأزمة وكأنها شأن محلي، بينما الواقع هو إدارة دقيقة لأهداف استراتيجية أمريكية.

الكارتلات الكبرى، أبرزها خاليسكو للجيل الجديد وكارتل سينالوا، ما تزال تتحكم في تجارة المخدرات وخاصة الفنتانيل، وتستخدم أسلحة مصدرها الولايات المتحدة. هذا يجعلها أداة مثالية لتحقيق أهداف سياسية دون الحاجة لتدخل أمريكي ظاهر. إذا كانت المبررات الأمريكية صحيحة، لكان من المفترض أن تدعم واشنطن جهود الحكومة المكسيكية في محاربة المخدرات، لكن الواقع يظهر أن مصالح الولايات المتحدة تتعلق ببقاء الكارتلات كذريعة للتدخل والسيطرة.

لقد برهنت الأحداث الأخيرة أن الولايات المتحدة غير معنية بالقضاء على أوكار عصابات المخدرات. فمن يريد منع وصول المواد القاتلة إلى بلده قادمة من بلد مجاور لا يسّلح هذه العصابات في مواجهة الدولة. الحقيقة أن أمريكا معنية ببقاء الكارتلات حتى تبقى ذريعة التدخل قائمة. فاصل الحكاية هو هيمنة أمريكا على كل شيء. كلاوديا تمردت على الضرائب الأمريكية، تمردت على حصار كوبا ورفضت ما حصل في فنزويلا، وفي المقابل أمريكا لديها خيارات أهم، منها استخدام هذه العصابات كما فعلت في إيران لمحاولة إسقاط النظام.

ويجدر التذكير بواحدة من أكثر العمليات جدلًا في تاريخ التدخل الأمريكي الخفي في المكسيك، وهي عملية Fast and Furious بين 2009 و2011، التي سمح خلالها المسؤولون الأمريكيون ببيع آلاف البنادق والرشاشات لوكلاء مشتبه في صلتهم بالكارتلات، على أمل تتبعها لاحقًا، لكن معظمها فقد وظهرت لاحقًا في مشاهد جرائم داخل المكسيك، بل وفي مقتل عنصر من حرس الحدود الأمريكي. العملية أثبتت أن الأسلحة الأمريكية وصلت للكارتلات، مما يعزز فكرة توظيف القوة الأمريكية لإدارة أزمات داخلية دون تدخل مباشر.

بهذه الطريقة، يصطاد السيناريو ثلاثة عصافير بحجر واحد: إضعاف الحكومة داخليًا عبر أزمة تُدار محليًا بواسطة الكارتلات، إقصاء كلوديا شينباوم بعد تحديها الحصار الأمريكي على كوبا، والحفاظ على ذريعة الفنتانيل أمام الرأي العام لتبرير أي تحركات لاحقة. الفنتانيل أصبح أداة استراتيجية لإدارة أزمة داخلية والتحكم بالحكومة، مع إبقاء الشروط مناسبة لأي تحرك أمريكي محتمل.

التاريخ الأمريكي يقدم دروسًا واضحة: الأسباب المعلنة دائمًا أخلاقية أو أمنية، بينما الأهداف الحقيقية تتعلق بالنفوذ والسيطرة. ما شاهدناه في كوبا 1961، تشيلي 1973، غرينادا 1983، بنما 1989، العراق 2003، وفنزويلا الحديثة يوضح هذا النمط: أي أزمة أو تهديد يُعلن أخلاقيًا أو أمنيًا، بينما الحقيقة تكمن في النفوذ والسيطرة.

اليوم المكسيك تحت المجهر، والفنتانيل يمثل الفخ الذكي الجديد. الكارتلات المسلحة بأسلحة أمريكية تُوظف لإدارة الأزمة داخليًا لإضعاف الحكومة المكسيكية وإقصاء قيادة تتحدى المصالح الأمريكية، بينما تبقى الأهداف الحقيقية خفية خلف ذريعة الفنتانيل وحصار كوبا. الإدارة الأمريكية لا تحتاج إلى تدخل مباشر لتوجيه الأحداث لمصلحتها، بل تتقن استخدام الفوضى المحلية والذرائع الأخلاقية لتحقيق أهدافها، مع إبقاء كل خطوة محمية خلف حجاب ذريعة الفنتانيل، مع إمكانية الاستمرار في الضغط على الحكومة المكسيكية والتحكم بالسياسة الداخلية بما يخدم مصالح واشنطن.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...