الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:59 AM
الظهر 11:53 AM
العصر 3:01 PM
المغرب 5:32 PM
العشاء 6:48 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

الاتصال في فلسطين: من يدير السمعة ومن يصنع الأزمات؟

الكاتب: شادي زماعره

تعمل المؤسسات الفلسطينية بمختلف أشكالها في بيئة معقدة تتداخل فيها العوامل السياسية والاقتصادية، وتتأثر بظروف الحصار والانقسام والحرب وتداعياتها، إلى جانب ضغط اجتماعي متزايد على المواطن وتحولات رقمية متسارعة أعادت تشكيل المشهد العام، ووسعت مساحة التعبير، وتعددت معها التوجهات الفكرية والثقافية.

هذه البيئة لا تمنح المؤسسات هامشا كبيرا للخطأ، بل تضعها تحت اختبار دائم أمام جمهور يقظ ومتفاعل فلم يعد الاتصال شأنا إجرائيا أو وظيفة هامشية، بل أصبح ركنا أساسيا في استقرار المؤسسات واستمراريتها؛ فالخطأ الاتصالي لا يمر عابرا، وأي تعثر في إدارة الرسائل أو في توقيت المواقف قد يهز ثقة تراكمت عبر سنوات، ويجعل استعادتها مهمة شاقة ومكلفة.

خلال الأعوام الأخيرة، تسارعت الأحداث وتكاثرت الأزمات، فأصبحت بعض الأزمات تبدأ خلال ساعات وتنتهي ظاهريا بالسرعة نفسها، غير أن أثرها لا يختفي بالوتيرة ذاتها؛ فالذاكرة الجمعية ليست قصيرة كما يظن البعض، إذ قد ينشغل الجمهور لكنه لا ينسى، وكل لحظة أزمة تمثل نقطة مفصلية: إما أن تتحول إلى فرصة لتكريس صورة مسؤولة ومتزنة، أو إلى انطباع سلبي يتراكم بصمت ويظهر في أول اختبار حقيقي.

من هنا تبرز مشكلة أعمق تتمثل في استمرار الفصل بين القرار والاتصال داخل كثير من المؤسسات؛ إذ تتخذ القرارات في دوائر ضيقة، ثم يطلب من إدارات العلاقات العامة تبريرها بعد صدورها، وبهذا المنطق ينظر إلى السمعة كملف يمكن إصلاحه بعد الضرر، لا كقيمة استراتيجية ينبغي حمايتها واستباق ما قد يهددها، وعندما تقع الأزمة، يصدر خطاب تقليدي لا يجيب عن الأسئلة الجوهرية ولا يلامس قلق الناس الحقيقي.

في المقابل، تغير الجمهور الفلسطيني جذريا؛ فلم تعد المؤسسة المصدر الوحيد للمعلومة، ولم يعد البيان الرسمي كافيا لتشكيل الرواية، كما أن تجربة فرد واحد قد تتحول إلى قضية عامة إذا وجدت طريقها إلى المنصات الرقمية، وهكذا أصبحت السمعة انعكاسا مباشرا لتجربة الناس الفعلية مع الخدمة والسلوك والخطاب، لا نتيجة لما تقوله المؤسسة عن نفسها.

وكثير من الأزمات التي شهدناها لم تكن حتمية، بل جاءت نتيجة ارتباك إداري تجلى في قرارات مفاجئة بلا تمهيد، ورسائل متناقضة، وغياب تفسير واضح، يتبعه استغراب من رد فعل الجمهور، وعندما تدار المؤسسات بعقلية تقوم على اعتبارات غير مهنية، يصبح الاتصال أضعف حلقاتها؛ فالإدارة المرتبكة تنتج خطابا مرتبكا، والنتيجة ثقة تتآكل تدريجيا.

وفي زمن المنصات المفتوحة، لا يعد الصمت حيادا، لأن الفراغ الاتصالي تملؤه روايات أخرى قد تكون أكثر تأثيرا؛ فالمؤسسة التي لا تبادر إلى شرح موقفها بوضوح تترك المجال لتفسيرات قد لا تنصفها، كما أن الانتظار لا يشكل استراتيجية، بل مخاطرة في بيئة سريعة التفاعل.

ورغم ذلك، ما زال ينظر في بعض الحالات إلى الاتصال باعتباره أداة تبرير لا شريكا في صناعة القرار، في حين أن دوره الحقيقي يبدأ قبل اتخاذ القرار، من خلال قراءة المزاج العام، وتقدير المخاطر، وصياغة بدائل تقلل الكلفة المعنوية، فالاتصال الفعال ليس مجرد رد فعل على الأزمة، بل آلية لإدارتها قبل أن تتفاقم.

ولا يعفى ممارسو المهنة من المسؤولية، إذ إن قبول دور المروج الصامت يضعف قيمة التخصص؛ فالمهنية تقتضي إبداء الرأي الصريح داخل المؤسسة، والتنبيه إلى المخاطر قبل وقوعها، لأن وظيفة الاتصال ليست حماية القرار من النقد، بل حماية المؤسسة من قرار قد يضر بسمعتها على المدى البعيد.

وتوضح تجربة عملية ذلك؛ ففي إحدى المؤسسات التي واجهت أزمات متكررة، طرح مقترح بإشراك العلاقات العامة في قرارات حساسة تمس الجمهور، مثل تعديل الأسعار، ولم يكن الهدف التأثير في القرار بحد ذاته، بل استشراف ردود الفعل، واقتراح توقيت مناسب، وصياغة خطاب يشرح الأسباب بوضوح ويعزز الإحساس بالشراكة، غير أن الفكرة قوبلت بتحفظ، ومع مرور الوقت تبين أن المشكلة لم تكن في القرار وحده، بل في غياب إدارة واعية للعلاقة مع الجمهور.

والشفافية في هذا السياق ليست عبا، بل رصيدا استراتيجيا؛ فالاعتراف المدروس، والتفسير الواضح، وتحمل المسؤولية، كلها عناصر تبني مخزونا من الثقة يمكن الرجوع إليه عند الأزمات، بينما يؤجل الإنكار أو الخطاب المنفصل عن الواقع المشكلة ولا يحلها.

كما أن هشاشة السمعة في العصر الرقمي حقيقة لا يمكن تجاهلها، إذ إن حملة رقمية واحدة قد تؤثر في صورة مؤسسة خلال وقت قصير، وإصلاح الضرر ممكن لكنه يتطلب جهدًا مضاعفًا، ولا ينجح إلا إذا كان الأداء متسقًا مع الخطاب؛ فالاتصال لا يغطي ضعف الخدمة، بل يكشف الفجوة بينها وبين الرسالة.

في المحصلة، لا تتعلق المسألة بحجم الموارد بقدر ما ترتبط بوعي إداري يعتبر السمعة أصلا استراتيجيا؛ فالمؤسسة التي تضع الاتصال في قلب إدارتها تكون أكثر قدرة على الصمود في بيئة متقلبة، أما التي تهمشه فتجد نفسها في دوامة أزمات متكررة.

وفي النهاية، لا يكمن السؤال الحقيقي فيمن يدير السمعة، بل فيمن يفهم معناها؛ فالسمعة حصيلة تراكمية لقرارات يومية، ولطريقة التعامل مع الناس، وللقدرة على الإنصات قبل الحديث، وفي بيئة تتقاطع فيها الأزمات مع التحولات الرقمية، يصبح الاتصال المؤسسي فلسفة إدارة متكاملة؛ من يدرك ذلك يبني شرعية طويلة الأمد، ومن يتجاهله يكتشف متأخرا أن أزماته لم تكن قدرا، بل نتيجة خياراته.

شادي زماعره

استشاري ومدرب في العلاقات العامة وبناء السمع

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...