صمود موظفي السلطة… ثورة هادئة تحمي المشروع الوطني
الكاتب: احمد النيرب
في أصعب المراحل التي تمر بها الشعوب، لا تُقاس قوة الأوطان بعدد الشعارات، بل بثبات من يحملون مسؤوليتها اليومية ، واليوم يقف موظفو السلطة الفلسطينية مثالاً حياً لهذا الثبات، وهم يتلقون جزءاً من رواتبهم، لكنهم لا يتلقون جزءاً من إرادتهم… بل إرادتهم كاملة، وصلبة، ووطنية حتى النخاع.
هؤلاء الموظفون ليسوا مجرد أرقام في كشوفات الرواتب، بل هم المعلم في مدرسته، والطبيب في مشفاه، ورجل الأمن في موقعه، والموظف في دائرته، والمهندس في ميدانه. هم الذين تُدار بهم عجلة الحياة اليومية في الوطن، رغم الضغوط الاقتصادية والسياسية.
إن صمودهم ليس موقفاً فردياً، بل فعل وطني جماعي، يحمل معنى أعمق من مجرد الاستمرار في العمل. هو إعلان عملي أن المشروع الوطني ليس فكرة عابرة، بل مؤسسة قائمة، لها كوادرها وبنيتها، ولها رجالها ونساؤها الذين يؤمنون بها.
الصمود كفعل سياسي ووطني
حين يتمسك الموظف بعمله رغم الظروف، فهو لا يدافع عن راتب فقط، بل يدافع عن فكرة الدولة ذاتها، فالدولة لا تقوم فقط
على حدود جغرافية، بل تقوم على مؤسسات، ونظام إداري، وأجهزة تقدم الخدمات وتحفظ النظام العام.
وهنا يتجسد المعنى الحقيقي للموقف السياسي الذي يطالب بدولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس.
فالموظفون هم العمود الفقري لهذه الدولة القادمة، وهم نواتها الحقيقية. إنهم يثبتون يومياً أن الفلسطيني قادر على إدارة نفسه، وبناء مؤسساته، والاستمرار رغم الحصار المالي والسياسي.
صمودهم… رسالة للعالم
العالم ينظر إلى الأفعال قبل الأقوال. وعندما يرى شعباً يعمل، ويعلّم، ويعالج، ويحافظ على الأمن، رغم تلقيه جزءاً من راتبه ومستحقاته، فهو يرى شعباً يؤمن بحقه في الحياة والسيادة.
هذا الصمود يرسل رسالة واضحة:
المشروع الوطني ليس ورقة سياسية، بل واقع يُبنى يوماً بعد يوم، في المدرسة والمستشفى والمحكمة ومركز الأمن وكل مؤسسة عامة.
*بين العقل والقلب:
بالعقل: استمرار عمل الموظفين يحافظ على الاستقرار المجتمعي، ويمنع الانهيار المؤسسي، ويصون السلم الأهلي، ويمنع الفوضى، وهذا عنصر أساسي في أي تجربة بناء دولة.
وبالقلب: هم أمهات وآباء يتحملون الضيق من أجل مستقبل أبنائهم، ومن أجل أن يبقى الوطن واقفاً وصامداً.
صبرهم ليس ضعفاً، بل قوة أخلاقية عالية، تضع المصلحة العامة فوق المصلحة الفردية.
صمود الموظفين ثورة هادئة
قد لا يسمع العالم صوت هذه الثورة، لأنها ليست صاخبة، لكنها ثورة من نوع آخر… ثورة الالتزام والانضباط والإيمان بالمشروع الوطني، ثورة تثبت أن الشعب الذي يصمد في تفاصيل حياته اليومية، هو شعب لا يُكسر.
إن موظفي السلطة الفلسطينية اليوم ليسوا فقط عاملين في مؤسسات، بل هم حراس الفكرة الوطنية، وبناة الدولة القادمة، وأعمدة صمودها، وشركاء في البناء.
ورغم الصعاب، يبقى ثباتهم شهادة حية أن المشروع الوطني ليس شعاراً، بل مسؤولية يحملها أناس أوفياء، آمنوا بأن الوطن أكبر من الأزمة، وأن الدولة القادمة تُبنى بالصبر كما تُبنى بالإرادة.

