نقطة ضوء.. انتهت حلول الأرض
الكاتب: د. عدنان ملحم
الحصارُ الماليُّ يطوّقُ الشعبَ الفلسطينيَّ كما يطوّقُ القيدُ المعصم، ويسجنُ أفراده في دهاليز البطالة، والفقر، والعَوَز.
سرطانُ الاستيطانِ والضمِّ والطردِ والتهجير ينتشرُ في الجسدِ الفلسطيني بلا كوابح، يلتهمُ الأرضَ كما يلتهمُ المرضُ الخلايا السليمة.
طاعونُ الانقسامِ والتشرذمِ والشللِ واللامبالاة يفتكُ بالحركةِ الوطنية، ويحوّلُها إلى جزرٍ متخاصمة، لا إلى شعبٍ مترابط يقفُ على حدودِ قضيته.
سيولُ الهجرةِ الطوعية تتدفّقُ خارجَ فضاءاتِ الوطن، بحثًا عن نافذةِ حياة، ولقمةِ عيش، وبوابةِ أمل.
هواميرُ الفساد يتغوّلون على مقدّراتِ الشعب، ينهبون ما تبقّى من الهواء، ويحوّلون الوطن إلى دفترِ حسابات.
نحن في خضمّ مرحلةِ إبادةٍ حقيقية، هدفُها إخراجُ الشعبِ الفلسطيني من الجغرافيا والتاريخ والرواية والمعنى، واغتيالُ الوعيِ الوطني في داخلِ كلِّ مواطنٍ فلسطينيٍّ أينما وجد.
اقرأوا تاريخَ الحركةِ الصهيونية، ومذكّراتِ زعمائها ومنظّريها، وبرامجَ أحزابها وحركاتها، لتعرفوا ضياعَ بوصلتنا، وعجزَنا عن فهمِ أعدائِنا ! وراجعوا تجربةَ الحركةِ الوطنيةِ الفلسطينية في فترةِ الانتدابِ البريطاني على فلسطين (1922–1948) لتعرفوا لماذا سقطت البلادُ في قاع النكبة! .
الهزيمةُ الحقيقية هي سقوطُنا في عينِ وضميرِ شعبِنا، وخروجُنا من قلبِه وعقلِه وفعلهِ الجمعي، وعجزُنا عن حمايتِه وتوفيرِ كلِّ سُبلِ الصمودِ والثباتِ لأفراده.
اسمحوا لي أن أطبطبَ على كتفِ وطنٍ يغرقُ في العائلية و التشرذمِ والانقسامِ والصراعِ المجتمعي، ويفشلُ في الوقتِ نفسه في الدفاعِ عن مواطنِه وأرضِه في مواجهةِ جرافاتِ الهدم وقوانينِ الضمِّ والاستيطان. واسمحوا لي أن أرثي حركةً وطنيةً وسياسيةً واقتصاديةً واجتماعية، ترى شعبَها يموتُ أمام ناظريها، وتغوصُ في رمالِ اللاشعورِ واللامبالاةِ والمراقبةِ الصامتة.
أمام هذا كلِّه، لم يعد المطلوبُ بياناتٍ ولا ترقيعات، بل بعثُ الحياةِ في مفاعيلِ الحركةِ الوطنيةِ الفلسطينية، وإخراجُها من غرفِ العنايةِ المركّزة، وإعادتُها إلى مهمتِها الأصلية: أن تكونَ جبهة صمود وثبات ووحدة ووعي ، لا إدارةَ أزمة، وأن تكونَ صوتَ الشعبِ المُنهكِ والمظلومِ والمسحوق.
انتهت حلولُ الأرض… فهل نملكُ جرأةَ البحثِ عن خلاصٍ لا تصنعُه المكاتب، بل تصنعُه الإرادة؟ . " لك عندي كلمهْ لم أقلها بعد, فالظل على الشرفة يحتل القمرْ ، وبلادي ملحمهْ كنت فيها عازفا... صرت وترْ ! ".

