رمضان هذا العام: اختبار للضمير والمسؤولية
الكاتب: د. محمد عودة
قبل أي نقاش في الأسعار أو الأسواق أو الرقابة، يجب تسمية الجذر الحقيقي للأزمة دون مواربة: الاحتلال هو المصدر البنيوي لكل هذا الاختناق. هو الذي يفرض الحصار، ويقيد الحركة، ويتحكم في الموارد، ويحتجز الأموال، ويُبقي الاقتصاد في حالة تبعية دائمة وهشاشة مقصودة. ما نعيشه ليس خللًا عابرًا في السوق، بل نتيجة منظومة ضغط مستمرة صُمِّمت لتُنهك المجتمع وتستنزف قدرته على الصمود. لكن إدراك السبب لا يعني الاستسلام لنتائجه؛ بل على العكس، يجعل من شهر الرحمة فرصة مضاعفة لحرمان الاحتلال من هدفٍ إضافي: تعميق فرقتنا الداخلية وتحويل أزمتنا المشتركة إلى صراع بيننا. إن كان الاحتلال يسعى إلى إضعافنا عبر الاقتصاد، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نُكمل مهمته بأيدينا.
رمضان هذا العام يُعد لحظة فاصلة تكشف معدن المجتمع تحت الضغط، فهو لا يأتي في سياق اعتيادي كبقية الأعوام. ففي ظل الحصار المستمر، القيود الخانقة على الحركة، البطالة المرتفعة، تأخر صرف الرواتب، وقرصنة الأموال المخصصة لدعم الأسر المحتاجة، هذه ليست عناوين سياسية مجردة، بل حقائق يومية تتسلل إلى تفاصيل البيوت: موائد تُعاد حساباتها، قوائم مشتريات تُختصر قسرًا، وأمهات يُخفين قلقهنّ كي لا يشعر الأبناء بثقل العجز.
ارتفاع الأسعار قبيل رمضان لم يعد حدثًا متوقعًا فحسب، بل بات سلوكًا متكررًا يُثقل كاهل الأسر عامًا بعد عام. غير أن خطورته هذا العام مضاعفة، لأن القدرة على الاحتمال باتت أضعف، وهوامش المناورة أضيق. حين يرتفع سعر الدقيق أو الزيت أو السكر، لا يكون الارتفاع رقمًا مجردًا، بل تضيق مساحة الطمأنينة داخل البيت. الفارق بين سعر وآخر قد يعني وجبات أقل، أو استدانة جديدة، أو تنازلًا إضافيًا عن احتياج مؤجل أصلًا.
في الوضع الفلسطيني، يجب ألا تكون الأسواق فضاءً تقنيًا تحكمه قوانين العرض والطلب فقط، بل ساحة تتقاطع فيها الأخلاق مع الاقتصاد. صحيح أن نقص الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والقيود المفروضة على إدخال السلع عوامل ضاغطة، لكن ذلك لا يبرر تحويل كل أزمة إلى فرصة ربح مضاعف. حين يُستثمر الخوف من النقص، وحين يُخزَّن المعروض بانتظار ذروة الطلب، يصبح السوق أداة ضغط داخلية تُضاف إلى الضغوط التي يمارسها الاحتلال.
الخطورة لا تكمن في الزيادة بحد ذاتها فقط، بل في تراكمها. الزيادة الصغيرة حين تتكرر تتحول إلى نمط، والنمط يتحول إلى ثقافة، والثقافة تُطبع في وعي الناس كأمر طبيعي. وهنا يكمن الانحدار الحقيقي: أن يصبح الاستغلال أمرًا اعتياديًا، وأن يتكيف المجتمع مع الألم بدل أن يرفضه. عندها لا نخسر القدرة الشرائية فقط، بل نخسر الحساسية الأخلاقية تجاه معاناة بعضنا البعض.
تجّار فلسطين اليوم أمام امتحان لا يمكن الهروب منه. الربح ليس جريمة، لكنه يفقد معناه حين ينفصل عن السياق الاجتماعي. ففي لحظات الرخاء قد يُغتفر الكثير، أما في لحظات الشدة فكل قرار يُقرأ بميزان مختلف. التاجر الذي يراعي ظروف الناس لا يخسر، بل يستثمر في الثقة، والثقة رأس مال لا يقل أهمية عن أي مخزون في المستودعات. أما من يختار تعظيم الربح على حساب الضعفاء، فقد يربح دورة مالية، لكنه يخسر رصيدًا أخلاقيًا طويل الأمد.
الجهات الرقابية تتحمل مسؤولية مضاعفة. الرقابة ليست بيانًا يُنشر، ولا جولة شكلية في الأسواق، بل حضور فعلي يضبط الإيقاع قبل أن ينفلت. التأخر في التدخل يسمح بتكريس واقع جديد يصعب التراجع عنه. كل يوم يمر دون ضبط حقيقي هو يوم إضافي يُثبّت الأسعار المرتفعة كأمر واقع. المطلوب ليس شعارات عن حماية المستهلك، بل أدوات تنفيذ واضحة، مساءلة شفافة، وعقوبات رادعة تُطبَّق بلا تردد.
أما المواطن وبالتالي المجتمع نفسه فليس خارج المعادلة، سلوك الاستهلاك، الاندفاع نحو التخزين الفردي، والانجرار خلف الشائعات حول نقص قادم، كلها عوامل تغذي الحلقة ذاتها. حين يندفع الناس بدافع الخوف، تتسارع الندرة المصطنعة، ويجد المستغل مبررًا إضافيًا. المسؤولية هنا جماعية: الوعي، التعقل، وعدم الانخراط في موجة ذعر اقتصادي قد تكون مفتعلة أو مبالغًا فيها.
لكن لا يمكن فصل كل ذلك عن السياق السياسي الأوسع، الضغوط المفروضة، القيود على الموارد، وقرصنة الأموال، تخلق بيئة هشّة أصلًا. في بيئة كهذه، يصبح أي خلل داخلي مضاعف الأثر. فالمجتمع الذي يتعرض لضغط خارجي يحتاج إلى تماسك داخلي أكبر، لا إلى جبهات إضافية من الاستنزاف. وحين يتحول السوق إلى ساحة ضغط أخرى، فإننا نُسهِم — من حيث لا ندري — في تعميق أثر السياسات التي يفرضها الاحتلال.
رمضان في جوهره ليس اختبارًا للجوع، بل اختبارًا للعدل. ليس امتحانًا للصبر الفردي فقط، بل لمدى قدرتنا على حماية بعضنا بعضًا، قيمة الشهر لا تقاس بعدد الموائد الممتلئة في بيوت القادرين، بل بقدرتنا على ضمان حد أدنى من الكرامة لمن يضيق بهم الحال، الكرامة هنا ليست شعارًا، بل قدرة فعلية على شراء الحاجات الأساسية دون إذلال أو استدانة مرهقة.
إن استمر منطق الاستغلال، وإن بقيت الرقابة مترددة، فإن الأثر لن يتوقف عند حدود هذا الشهر، الاحتقان الاجتماعي لا يولد فجأة، بل يتشكل طبقة فوق طبقة من الشعور بالظلم، حين يشعر المواطن أن الجميع يطالبه بالصبر بينما تُفرض عليه أعباء إضافية بلا رحمة، تتآكل ثقته بالمجتمع والدولة معًا، ومع تآكل الثقة يضعف النسيج الداخلي، ويصبح المجتمع أكثر عرضة لأي هزة قادمة.
لا يجوز التعامل مع رمضان هذا العام كأنه موسم اعتيادي. هو لحظة كشف حقيقية. كل تاجر سيُعرَف موقعه، وكل جهة رقابية سيُقاس حضورها، وكل خطاب أخلاقي سيُختبر صدقه في السوق قبل المنابر. إما أن نثبت أن قيم الرحمة والعدالة والتكافل قادرة على الصمود تحت الضغط، أو نُسجّل على أنفسنا أن أول اختبار جدي أسقطنا.
القرار اليوم ليس اقتصاديًا فحسب، بل أخلاقي بامتياز، وكل تأجيل للمواجهة، وكل تبرير للاستغلال، وكل صمت عن خلل واضح، هو مشاركة ضمنية في النتيجة، رمضان هذا العام لن يمر كغيره؛ إما أن نخرج منه أكثر تماسكًا وعدلًا، أو أكثر هشاشة وانقسامًا.
الفارق بين المسارين يُصنع الآن: في كل سعر يُحدَّد، في كل قرار يُتخذ، وفي كل موقف يُختار. لا نشكك هنا في الانتماء الوطني لتجارنا، ولا في قدرة المواطن على التحمل، لكن ما نريده هو أن نكون جميعًا دولةً ومجتمعًا ومواطنين صفًا واحدًا في مواجهة هذا الاحتلال الذي يسعى بكل الوسائل إلى أن يُكفّر كل مكوّن بالآخر، أيها التجار كونوا كما عهدناكم في الصف الوطني، أيها المواطن، لا تتغاضَ عمّن يحاول سرقة قوت أطفالك، وأما الدولة، فلتتعامل بجدية وحزم مع كل شكوى، لأن التهاون في هذه اللحظة ليس تفصيلًا، بل خطرٌ مباشر على تماسكنا الداخلي.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾الى كل المؤمنين ،الى الامة الاسلامية بشكل عام ولشعبنا الفلسطيني بشكل خاص ومن اجل ان تتحقق التقوى صوموا عن المعاصي قبل قبل الصيام عن الطعام،وكل عام وانتم بخير.

