نقطة ضوء: منهاج بلا فلسطين
الكاتب: د . عدنان ملحم
تتداول تقارير إعلامية فلسطينية تسريبات خطيرة حول إدخال تعديلات واسعة على المناهج التعليمية الفلسطينية، استجابةً لضغوط أوروبية واحتجاجات إسرائيلية، تستهدف تفريغ المنهاج من مضمونه الوطني والتاريخي.
هذه التعديلات – وفق ما نُشر – لا تقتصر على صيغ لغوية أو تربوية، بل تمسّ جوهر الهوية الفلسطينية داخل المدرسة: القدس، والأسرى، واللاجئين، وتاريخ وجغرافيا فلسطين التاريخية ، والذاكرة الجمعية، بل وحتى المصطلحات التي تصوغ وعي الطالب تجاه وطنه وصراعه.
الخطير في هذه التغييرات أنها تنقل المنهاج من كونه أداة لبناء وعي وطني، إلى أداة “تحييد سياسي” تُقدّم الرواية الفلسطينية باعتبارها رواية خلاف، لا حقيقة تاريخية. ويتم فيها استبدال مفاهيم الاحتلال والاقتلاع والمقاومة، بلغة مائعة عن “السلام” و“التعايش” و“المدينة المشتركة”، بما ينسجم مع الرواية الإسرائيلية، لا مع تجربة شعب واقع تحت الاحتلال.
وإذا صحّت هذه التسريبات، فنحن لا نكون أمام إصلاح تربوي، بل أمام تدخل سياسي خارجي مباشر في صياغة وعي الأجيال الفلسطينية، عبر المدرسة والكتاب المدرسي، أي عبر أخطر أدوات تشكيل الهوية.
المدرسة الفلسطينية ليست مؤسسة محايدة؛ هي ساحة من ساحات الصراع. ومن يفرغ المنهاج من فضاءات : الدولة ، والحرية ، والأرض، والصمود ، والعودة ، والعَلم ، لا يبني سلامًا، بل يزرع قطيعة بين الطفل وتاريخه، وبين الطالب وشعبه.
قبل أيام دعا الرئيس محمود عباس إلى كتابة التاريخ الفلسطيني بذاكرته ووعيه وروايته وجغرافيته . لكن ما يُتداول اليوم، إن صحّ، يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا: محو الذاكرة باسم التمويل، وترويض الوعي باسم “الاعتدال”.
في صراعنا مع الاحتلال،ليست الأرض وحدها ميدان المعركة، بل الذاكرة، والتاريخ، والوعي. ومن يخسر المنهاج، يخسر المستقبل.
احذروا فعل ذلك ، فالوطن ليس هامشًا يُمحى بقلم، ولا الذاكرة سطرًا يُستبدل. من يجرؤ على تشويه الحكاية، يسلّم الغد والبلد ، بلا مقاومة .

