مدرسة ترمب السياسية مع الخصوم والحلفاء
الكاتب: نبيل عمرو
مرّت سنة على تولي ترمب قيادة أقوى قوةٍ عسكريةٍ واقتصاديةٍ وتكنولوجيةٍ في العالم، وخلال هذه السنة فرض نفسه شخصياً كطرفٍ مباشرٍ في كل القضايا الملتهبة، فأينما تيمّم وجهك تجده أمامك، فإن رأى أن حضوره في أزمةٍ ما يتطلّب أن يكون وسيطاً... يفعل، وإن تطلّب أن يكون طرفاً منحازاً... فلا يتردد، وإن احتاج للتهديد المباشر باستخدام القوة العسكرية الجبّارة التي تمتلكها دولته العظمى... فيده على الزناد، وإن احتاج إلى عمليةٍ هوليوودية كما فعل مع مادورو... فليكن، ولا يتردد في تقديمها للعالم كنموذجٍ يمكن أو حتى يجب أن يتكرر في أي وقتٍ ومكانٍ ومع أي زعيم.
كان حاول فرض مدرسته هذه في ولايته الأولى، وكان أن قُطع طريقه بإسقاطه، وحاول أن يشاغب بأن فعل ما لم يجرؤ غيره على فعله وهو التشكيك بنزاهة الانتخابات، والادّعاء الصريح بتزويرها، وكذلك توجيه أنصاره لاقتحام الكونغرس والمجاهرة بأنه سيفعل ما لم يفعله غيره بأن يعود إلى معترك الانتخابات بعد نجاحٍ وفشلٍ ثم نجاح.
المزاج الأمريكي المتقلّب والانفعالي، إضافةً إلى شيخوخة المنافس الديموقراطي، وفّرا له تفوقاً انتخابياً نادراً أعاده إلى البيت الأبيض بتصويتٍ شعبيٍ قياسي، ليفعل ما حُرم من فعله ودفعةً واحدة. ودون الإسهاب في وقائع ولايته الحالية داخل أمريكا وفي جميع أركان الكون، حازت هذه الولاية التي يسعى لأن لا تكون الأخيرة على صفةٍ غير مسبوقةٍ إلا في الحروب الكونية، مفادها أن كلّ فردٍ من ساكني المعمورة يشعر بالخوف منه ومن نزواته وطريقته في استخدام القوة حتى لو اقتصر الأمر على مجرد التلويح بها.
أهل الشرق الأوسط دولاً وشعوباً حبسوا أنفاسهم وهم يشاهدون حاملات الطائرات العملاقة تجتاح بحارهم، وبينما كانت شوارع إيران تغصّ بالمتظاهرين المناوئين للنظام، اشترك الرئيس ترمب في التظاهرات على طريقته الخاصة، وبفعل ولعه في إثبات حضوره الطاغي في أي حدث، طالب المتظاهرين بالاستمرار والتصعيد، وكأنه يوجههم بالريموت، وحين كان يُنقل إليه ما يفيد بأن التظاهرات هدأت قليلاً كان يعد المتظاهرين بأنه في الطريق إليهم.
وحين لم يتمكن المتظاهرون من اجتياح حصون نظام الملالي، وجد عقلاء ينبهونه إلى أن الحكاية ليست مجرد إسقاط نظامٍ بتظاهرة، أو بعملٍ عسكري بل ماذا سيحل بإيران والمنطقة، إذا ما وقعت الحرب وما ستخلّف من فوضى واشتعالٍ وخروجٍ عن السيطرة.
ولأنه يعتبر نفسه مركز الكون، ويحرض كثيراً على صورته في هذا الإطار، يجد سبباً لحضوره وفي ذات الوقت يجد سبباً لانسحابه، وفي حالتي الكر والفر يعتبر نفسه رابحاً.
لقد أمّن ترمب نفسه بطاقمٍ مطيعٍ وعلى مقاسه، مؤلفٍ من أركان الدولة الأساسيين، كما توّفرت له أغلبيةٌ برلمانيةٌ في مجلسي صنع القرار الشيوخ والنوّاب، مع أنهم يعرفون بمثالبه إلا أنهم يحتاجون لزعامته، في تنافسهم التقليدي مع الخصم الديموقراطي.
ثم إن السيد دونالد ترمب يتباهى بقوته على الحلفاء التقليديين مثلما فعل وما يزال مع أوروبا وحلف الناتو، ويموّه على ضعفه أمام منافسيه الأقوياء مثلما فعل مع الصين، في الحرب الاقتصادية التي أعلنها عليها أكثر من مرة وتراجع عنها أكثر من مرةٍ كذلك.
ومع روسيا حيث ضغط على جرح أوكرانيا النازف بقوّة، مذكراً الدولة الأوروبية المعرضة للتفكك وفقدان الأرض والسيادة، ومكوّنات الدولة الحقيقية، بأنها دولةٌ فاسدة، وليس أمامها سوى التحلّي بواقعية الاستسلام، ذلك بعد أن ضمن حصوله على كل ما دفع، من خلال التنازل له عن ثرواتها التي في باطن الأرض، وما سيتبقى لها من ثرواتٍ فوقها.
لقد فضّل شراكة القوي على الواجب الأخلاقي والتاريخي إزاء الحليف.
الرئيس ترمب نموذجٌ زعاميٌ متفرد، وإذا كان غيره من رؤساء أمريكا الضعفاء منهم أو الأقوياء، أداروا سياسة الدولة العظمى باتجاهٍ صحيحٍ أو خاطئ أو باتجاهٍ حربيٍ أو استخباريٍ أو سياسي، إلا أنهم كانوا يديرون لعبتهم الكونية وأوراقهم المغطّاة أكثر بكثيرٍ من المكشوفة، كانوا يمارسون قوة الولايات المتحدة فعلاً بأقل قدرٍ من ازدراء الحلفاء وابتزازهم، وتوجيه الإهانات الصريحة لهم.
لم يسبق لرئيسٍ أمريكي أن قال عن الخندق الاستراتيجي الأمامي لأمريكا والغرب الذي هو حلف الناتو، بأن لا لزوم له وأن فواتيره زادت عن الحد وعلى أوروبا أن تسددّ ما عليها لقاء حمايتها.
كذلك لم يسبق لأي رئيسٍ أن عرض ضمّ كندا التي بمساحة قارة، وكأنها جزيرةٌ مجاورة كجرينلاند مثلاً.
ثم إن الرئيس ترمب لم يخفِ رغبته الشخصية في تغيير النظام الدولي بافتراس الأمم المتحدة، وتنصيب مجلس السلام الذي أسسه كما تؤسس الشركات، بديلاً عنها، متجاهلاً أن المجلس الذي يضم عشرات الدول لن يتواطأ معه في مسألة تغيير النظام الدولي، بل قبل دعوته دون الالتزام بتسديد الاشتراكات لمجرد الاستفادة من نفوذه على إسرائيل، لإنهاء الحرب على غزة وليس أكثر من ذلك.
الرئيس ترمب يلعب أوراقه مكشوفةً تماماً ومع هول الضجيج والخوف والتخويف، فما ينقصه بعد كل ذلك وعيٌ عمليٌ لمعادلة فائض القوة والقدرة على تقرير المصائر، وفي تاريخها الحديث دخلت أمريكا العظمى اختباراتٍ جديةٍ في هذا المجال... في فيتنام قديماً وفي أفغانستان حديثاً.
لم تحسم معادلة فائض القوة في هاتين الحربين الكبيرتين، وبالتأكيد لن تحسم في الحرب الراهنة على مصير العالم.

