الأمن الأوروبي الاستراتيجي ضحية الديمقراطية والبيروقراطية
الكاتب: حمادة الصادق جبر
لطالما قدّمت أوروبا نفسها نموذجاً عالمياُ فريداً يجمع بين التكامل الاقتصادي، والديمقراطية، واحترام حقوق الانسان، وتحقيق الرفاه الاجتماعي. وهذا ما دفع الممثل الأعلى السابق للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي "جوزيف بوريل" للقول في اكتوبر (تشرين أول) عام 2022: "أوروبا حديقة وبقية العالم أدغال". غير أن هذا النموذج أو "الحديقة" حسب "بوريل"، الذي نجح إلى حد كبير في تجنيب القارة حروباً داخلية مدمرة، أفرز في المقابل ثغرة استراتيجية خطيرة تمثلت في إضعاف مفهوم الأمن الاستراتيحي لأوروبا رغم الانذارات المبكرة والعديدة. فالديمقراطية الانتخابية قصيرة الأمد، إلى جانب البيروقراطية المعقدة في صناعة القرار، جعلتا من الأمن الأوروبي الاستراتيجي ضحية غير مباشرة لنجاح أوروبا "الحديقة" وسط "الأدغال".
انذارات مبكرة وعديدة والتجاهل سيد الموقف: بعد انتهاء العقد الأول من انهيار الاتحاد السوفييتي، جاء إلى السلطة في روسيا رجلاً قوياً وطموحاً ويعرف الغرب جيداً، لتوصف روسيا منذ صعوده للسلطة في بداية الألفية الثانية بروسيا "بوتين". لقد أظهر "بوتين" حزماً حاسماً في إستعادة قوة روسيا خاصة تجاه دول الاتحاد السوفييتي السابقة من خلال حسم الصراع في الشيشان، والتدخل في جورجيا لحسم الصراع في اقليمي "أوسيتيا الجنوبية" و"أبخازيا"، والاعتراف بهما كدول مستقلة عام 2008. بعد ذلك، أرسل "بوتين" انذاراً أكثر جرأة عام 2014، عندما قامت روسيا بضم شبه جزيرة القرم التي كانت تحت السيادة الأوكرانية في أول تغيير بالقوة لحدود أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. ورغم خطورة الحدث، اكتفت أوروبا بفرض عقوبات اقتصادية على روسيا دون مراجعة جذرية لخيارات أمنها الاستراتيجي وواصلت اعتمادها المطمئن على الولايات المتحدة الأمريكية. وها هي، أوروبا، تدفع أثماناً باهظة لا يُعلم مداها منذ غزو روسيا "بوتين" المستمر لأوكرانيا منذ بداية عام 2022.
أما الانذار الثاني الأشد فقد جاء من حليف أوروبا التاريخي والاستراتيجي مع وصول "ترمب" إلى البيت الأبيض في ولايته الأولى عام 2017. فقد شكك "ترمب" علناً بجدوى "الناتو"، وانتقد الدول الأوروبية بسبب ضعف انفاقها الدفاعي، ملمحاً إلى أن الحماية الأمريكية ليست التزاماً مجانياً أو دائماً. ومع ذلك، تعاملت عواصم أوروبية كثيرة مع تصريحات "ترمب" باعتبارها استثناءً سياسياً ينتهي بانتهاء ولايته، وليس تحولاً استراتيجياً في الموقف الأمريكي.
واليوم، تعود هذه المخاوف إلى الواجهة ولكن بشكل أكثر استفزازاً مع حديث "ترمب" المتكرر منذ بداية ولايته الثانية عن عزمه للسيطرة على جزيرة "غرين لاند" الدنمركية ذات الأهمية الاستراتيجية في القطب الشمالي. هذا التوجه، الذي بدا صادماً للبعض، يعكس في جوهره القاعدة السياسية الأبدية التي لا تتقادم، والتي نسيتها أو تناستها أوروبا وهي: لا أصدقاء ولا أعداء دائمين في السياسة. وبالعودة إلى تصريح "بوريل"، الذي تباهى بالحرية السياسية، والازدهار الاقتصادي، والتماسك الاجتماعي في "حديقة" العالم متناسياً أن كل هذا جاء على حساب الأمن الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي. وهنا نتسائل عن سبب وصول أوروبا إلى هذا الواقع رغم الانذارات المذكورة.
الديمقراطية الانتخابية: تعتمد الأنظمة السياسية في أوروبا على دورات انتخابية قصيرة نسبياً، تُجبر الأحزاب والحكومات المنتخبة على التركيز على قضايا ملموسة وسريعة العائد بالنسبة للناخبين، مثل النمو الاقتصادي، وفرص العمل، والحماية الاجتماعية، وجودة الخدمات العامة. وفي هذا السياق، يُنظر إلى قضايا مثل الأمن والدفاع بوصفها ملفات مكلفة مالياً، ومؤجلة العائد، ولا تحظى عادة بأولوية شعبية، خاصة في ظل غياب تهديد عسكري مباشر لمعظم الدول الأوروبية منذ انتهاء الحرب الباردة.
هذا الواقع دفع العديد من الحكومات الأوروبية إلى تقليص الانفاق الدفاعي أو حتى تجميده، والاعتماد الضمني على المظلة الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة الأمريكية من خلال حلف شمال الأطلسي (الناتو). وهكذا أصبح الأمن الأوروبي الاستراتيجي جزءاً من "تفويض خارجي"، بينما انصرفت الحكومات المنتخبة إلى تعظيم مكاسب الرفاه الاجتماعي خلال فترة ولايتتها، ضماناً لإعادة انتخابها أو الحفاظ غلى شعبيتها.
البيروقراطية: تُعد البيروقراطية المعقدة في مؤسسات التحاد الأوروبي أحد أبرز العوائق أمام اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى في مجال الأمن والدفاع. فآليات صنع القرار القائمة على مبدأ الاجماع أو شبه الاجماع بين الدول الأعضاء، يجعل من عملية اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى عملية معقدة وبطيئة خاصة في ظل اختلاف أولويات الدول الأعضاء، وتباين تصوراتها للتهديدات، هذا التباين، عند دمجه مع شرط الإجماع، يؤدي غالباً إلى حلول وسط ضعيفة، لا ترقى إلى مستوى التحديات الاستراتيجية. هذا الواقع يفسر لماذا بقيت فكرة تأسيس جيش أوروبي موحد حاضرة في الخطابات، وغائبة عن التنفيذ. فكل دولة تخشى المساس بسيادتها، أو تحمل أعباء مالية إضافية، أو فقدان السيطرة على قرار الحرب والسلم.
أخيراً، من المؤكد أن هذا المقال لا يدعو أوروبا للتخلي عن ديمقراطيتها، بل إلى تذكيرها بأن لا أصدقاء ولا أعداء دائمين، وأن القوة ليست دائماً لخوض الحروب بل لمنعها. وعليه، سيكون من الصعب على أوروبا محاججة وجاهة وجهة نظر "ترمب" في السيطرة على جزيرة "غرين لاند" إذا كان ذلك في سبيل تعزيز الأمن الاستراتيجي لأميركا وحلف "الناتو" في القطب الشمالي، أو حتى من أجل المعادن الثمينة في محاولة قد تكون متأخرة - لذلك تبدو شرسة - لاحتواء أو عرقلة الصين، وتقليص قدرتها على الابتزاز.

