ربما يحول دودة الجليد ترامب لآخر الرؤساء كما تقول رواية إينجرسول لوكوود
الكاتب: د. محمد عودة
تبدأ رواية إينجرسول لوكوود (آخر الرؤساء) بمغادرة بارون ترامب، وهو الشخصية الرئيسية أو بطل الروايتين، وكلبه الرائع بولغار، في رحلة مغامرات، حيث يغادر ترامب وكلبه «قلعة ترامب» في رحلة لاستكشاف عالم تحت الأرض لإثبات نظرية أن الأرض ليست صلبة – وربما في ذلك إشارة إلى عالم الرأسمالية الهش – وإنما هي مسكونة بالناس الذين يعانون تحت الأرض من اضطرابات فظيعة.
عودة إلى دودة الجليد، فمنذ خمسينات القرن الماضي، طرحت أمريكا مشروع «دودة الجليد»، القاضي بإنشاء قواعد صواريخ نووية في أنفاق تُحفر في أعماق الجزيرة. لكن أمريكا سرعان ما روّجت إلى أن المشروع شكّل تجربة فاشلة أو مغامرة علمية انتهت قبل أن تبدأ. الحقيقة أكثر عمقًا وخطورة: فهذا المشروع لم يكن اختبارًا هندسيًا، بل كان مؤشرًا صارخًا على ذهنية إمبراطورية ترى العالم مساحة مفتوحة لتنفيذ مشاريع هيمنتها. لم تتعامل الولايات المتحدة مع غرينلاند كأرض تابعة لحليف، بل كفراغ استراتيجي يمكن استخدامه واستثماره، وهو ما يجعل التساؤل حول إمكانية انسحابها الكامل أو تجاهل ما حدث هناك أمرًا منطقيًا وحيويًا.
لم يكن مشروع «دودة الجليد» مشروعًا تجريبيًا أسيء تقديره، ولا مغامرة علمية انتهت بالفشل كما تحاول الرواية الأمريكية الرسمية إيهام العالم، بل إن المشروع يُعد تعبيرًا فاضحًا عن ذهنية إمبراطورية ترى العالم فقط من منظور مصالحها، بعيدًا عن المصالح المشتركة مع حلفائها. وهذا وحده كافٍ لطرح السؤال الجوهري: هل يمكن لدولة تفكر بهذه الطريقة أن تُغلق مشروعًا بهذه الخطورة والأهمية الاستراتيجية وتغادر من دون حسابات لاحقة؟
إصرار ترامب على الاستحواذ على الجزيرة ربما يشكّل اعترافًا ضمنيًا بأن المشروع لم ينته قبل أن يبدأ، كما يؤكد هذا الإصرار أن جزءًا أساسيًا من المشروع قد نُفّذ فعليًا: أنفاق حُفرت، قاعدة أُنشئت وشُغّلت لسنوات، مفاعل نووي زُرع تحت الجليد، ونمط حياة عسكرية كامل فُرض في بيئة كان يُفترض أنها عصيّة على الاحتواء. كل ما سلف لا يعطي أي مؤشر على فشل المشروع، بل دلائل على نجاح المرحلة التأسيسية. أما المرحلة التي لم تُستكمل، فهي تلك التي تتطلب استقرارًا طويل الأمد، لا المرحلة التي تسمح بالتخزين والإخفاء والتموضع المؤقت.
من هنا، يصبح من الضروري طرح احتمال أن تكون تلك الأنفاق قد استُخدمت لأغراض تتجاوز التجريب، وذلك ليس استنادًا إلى وثيقة مسرّبة أو اعتراف معلن، بل انطلاقًا من السلوك التاريخي للولايات المتحدة في مشاريع مشابهة. أمريكا بنت ترسانتها النووية على مبدأ التشتت، وتعدد مواقع التخزين، والإخفاء العميق. أخفت أسلحة في جزر نائية، وفي أعماق المحيطات، وفي قواعد لم تكن مُعلنة حتى لأقرب حلفائها.
إن الانسحاب من «كامب سنتشري» لم يكن انسحابًا شفافًا، حيث لم يُقدَّم كشف تفصيلي بما أُخرج وما تُرك، ولم تُفكك الأنفاق، ولم تُعقّم المنطقة، ولم تُفتح الأرشيفات كاملة. بل تُرك الموقع كما هو، وكأن الزمن نفسه هو الكفيل بطمس المعالم. هذا السلوك لا يرقى إلى مستوى الدليل القاطع، لكنه بالتأكيد لا ينسجم مع رواية الإغلاق الكامل ولا مع ادّعاء الانسحاب النهائي.
ثم يأتي العامل الأشد خطورة: الزمن. فالمشاريع الاستراتيجية لا تُقاس بسنوات، بل بعقود طويلة. ما لا يصلح اليوم قد يصبح صالحًا غدًا، وما يُدفن اليوم قد يُستعاد حين تتغير الظروف. ذوبان الجليد لم يكن في حسابات ستينيات القرن الماضي، لكنه اليوم حقيقة ماثلة، ومعه يتحول ما كان مدفونًا بأمان إلى ملف مفتوح، وربما إلى عبء سياسي أو عسكري إذا خرج عن السيطرة أو انكشف للعلن.
في هذا السياق، يصبح الاهتمام الأمريكي المتجدد بغرينلاند أقل ارتباطًا بالموارد وحدها، وأكثر ارتباطًا بضبط الماضي قبل السيطرة على المستقبل. فامتلاك الأرض يعني امتلاك حق التفتيش، وإعادة الاستخدام، ومنع الآخرين من الوصول إلى ما قد يكون مخفيًا فيها. وهذا يفسر جانبًا من القلق الأمريكي من أي وجود صيني أو روسي، لا لأنه منافس فحسب، بل لأنه شاهد محتمل على تاريخ لم يُرد له أن يُرى.
أما حديث ترامب عن «شراء» غرينلاند، فلم يكن زلة لسان ولا فكرة طريفة، بل تعبيرًا فجًّا عن منطق يعتبر السيطرة المباشرة الحل الأبسط والأكثر أمانًا. فالسيادة هنا ليست مسألة رمزية، بل أداة قانونية لإغلاق الملفات وتأمين المواقع وإخماد الأسئلة. ليس مطلوبًا الجزم بوجود أسلحة نووية ما زالت تحت الجليد، لكن من الصعب تجاهل أن الولايات المتحدة تتصرف وكأن هناك ما يستدعي هذا المستوى من الحرص والإصرار.
التهمة هنا ليس أن واشنطن خبأت سلاحًا بعينه في نفق محدد، بل أنها تتعامل مع غرينلاند كأرض لها تاريخ وملف عسكري لم يُغلق بعد، وأن هذا التاريخ، بدل أن يُواجه بشفافية، يُدار بالصمت، ويُعاد فرض السيطرة عليه، ويُقصي كل من قد يطرح أسئلة حوله.
مشروع «دودة الجليد» إذًا لم ينته، بل تغيّر شكله، تحوّل من أنفاق وصواريخ فقط إلى قواعد ورادارات ونفوذ سياسي، لكن جوهره بقي كما هو: استخدام الجغرافيا المتطرفة كأداة تفوق، وتحويل الطبيعة نفسها إلى شريك صامت في مشاريع الهيمنة.
وفي عالم تُعاد فيه عسكرة القطب الشمالي، لا يعود السؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد أخفت شيئًا تحت الجليد، بل حول ما إذا كان العالم مستعدًا لمواجهة حقيقة أن ما جُرّب سرًا بالأمس يُعاد اليوم علنًا، بذات الذهنية ولكن بأدوات أكثر نعومة.
جليد غرينلاند لا يذوب بفعل المناخ، بل بفعل مشروع دفين يطفو على السطح. إن ما يُقدَّم بوصفه طموحًا جديدًا، ليس سوى استكمال لمشروع قديم لم يُحسم يومًا، وهو ما يحوّل غرينلاند إلى رمز لاستمرار الإمبراطورية الأمريكية في ممارسة نفوذها حتى في أبعد الزوايا. معروف أن غرينلاند ليست نهاية المطاف، فما دامت فكرة التفرد الأمريكي طاغية، فبالتأكيد هناك ما بعد دودة الجليد.
ختامًا، وبنظرة سريعة على رواية آخر الرؤساء، أعتقد أن العالم بحاجة إلى بناء هرم مقلوب، يبدأ من القمة، يجتمع فيه الكل ليقول لترامب: لا لمشاريع الهيمنة. فإن لم نفعل، فإن أمريكا ستفعل كل ما بوسعها، وفي كل القارات، من أجل احتكار كل شيء. أنا على المستوى الشخصي أتمنى لشعب أمريكا البقاء والتقدم والازدهار ضمن حدود أمريكا، ودون التعدي على أحد (فلا أحد ينكر ما قدمته أمريكا للبشرية من علم وتطور)، لتشكل جزءًا من عالم تحكمه القيم الأخلاقية والإنسانية.

