إذا كان وهماً فليتبدد ... وإذا كان حلماً فليتحقق
الكاتب: د. ناصر اللحام
كل يوم يتساءل المواطن: لماذا كل طرف نؤيده يخسر!! وكل شيء نحبه يتبخر!! ولماذا يكسب الاعداء ونخسر نحن ؟؟.
الاجابة لاننا غالبا نصدق الاحلام ونتبع الوهم ونبحث عن الحلول السهلة .
النظام السياسي كله في خطر الزوال .. فهل هذا جيد ام سيء؟.
بشخصيته السياسية التلقائية ، وبعواطفه المعقدة ، وتحكم اللوبي بأفكاره وتحفيز ما يريده اللوبي واخفاء ما يرغب هو به ، وبحضور مشاعره المختلطة وتردده وندمه غالبا ، وقصر نظره المتعمّد واندفاعاته الفجائية العدوانية الصبيانية تجاه عشرات الدول والشعوب والحكومات. وضع الرئيس ترامب الجميع امام مسؤولياتهم، ومن دون قصد كشف الواقع كما هو من دون كذب ولا لف ودوران وفجر الدمل الذي امتلأ بالصديد وصار يؤلمنا في كل حركة.
ترامب فج ولا يهمه الرأي العام ويريد الأشياء الجميلة التي يملكها الاخرون بأي طريقة ، تماما مثل طفل لديه جوع حسي ويدخل الى محل الألعاب ويصرخ في كل مكان ويدفع هذا الطفل ويستحوذ على كل شيء سواء كان يلزمه أم لا . وهو متنمر من الطراز الأول وعديم الشفقة ويحتاج الى اهتمام الجميع والا فانه سيخرب العالم كله !!.
ترامب وضع القضية الفلسطينية بوضوح امام العرب والفلسطينيين وامام العالم بهذه الطريقة الفجة ولصالح الاحتلال الإسرائيلي . ولم تجرؤ ولن تجرؤ اية عاصمة عربية على استدعاء سفير إسرائيل للتوبيخ ولا حتى للاستيضاح . والحمد لله ان الوهم يتبدد وان الشعارات الزائفة تسقط فالحقيقة مهما كانت قاسية أفضل من الوهم الملتبس.
النظام السياسي الفلسطيني الذي عرفناه طوال خمسين عاما في خطر الزوال، وانا لا اعرف بعد اذا كان هذا جيد للصالح العام ام لا ؟ واذا كان هذا لصالح الأجيال القادمة أم لا ؟ ولكن الحقيقة ان النظام السياسي الراهن يستنفذ كل الموارد ويحتاج الى معجزة للبقاء . وحتى الانتخابات النزيهة ولو تجري اليوم للبرلمان وللرئاسة وللبلديات فإنها ربما لن تملك قوة الدفع اللازمة لإحداث التغيير المطلوب ، فالخراب لا يمكن إصلاحه والانقسام اورثنا انفصام سياسي كامل ومزق الوطن ومزق العلم ومزق المواطن . ومختصر القول " ان الأوان قد فات وان أي اصلاح لن يؤدي الى صلاح الحال ولا الى الحكم الرشيد كما أردنا.
ويتضح ان الشعارات الكبيرة لوحدها لا تكفي ، وان الخلافات الفلسطينية – الفلسطينية صارت مرضا عضالا لا يمكن شفاؤه . ولا بد من استدارة تضع الفلسطينيين على بداية طريق جديدة .
ومهما حاولنا تجميل الواقع فان تعيين لجنة تكنوقراط لإدارة غزة يعني استبعاد م ت ف عن إدارة غزة وتهميش الرئاسة وإلغاء دورها تماما مثلما فعلوا بعرفات وهو محاصر في مقر المقاطعة برام الله عام 2003. وهذا لا يفاجئني لان منظمة التحرير لا تحكم غزة منذ نحو عشرين سنة . وحين قال نتانياهو بداية الحرب ( لا حماس ولا عباس ) كان يقصد ذلك وها هو ينفذ ما خطط له . تماما مثل شخصيين تشاجرا بشراسة على قطعة ذهب وجاء لص وخطفها من بين أيديهم فلا هي في المدى المنظور " لحماس " ولا هي " لعباس" .
المخطط الإسرائيلي يقضي بعد عزل غزة عن الضفة الغربية لإبقاء السيطرة الأمنية للاحتلال على الضفة الغربية . وبعد التخلص من القيادة الحالية للسلطة عمل اجسام إدارية تشبه البلديات تقوم بعمل خدماتي دون أي اثر سياسي .
ما الحل ؟؟
هناك طريقتين لوقف الأذى ووقف الظلم عن الشعب الفلسطيني :
- الانتفاضة . وهذا لا يبدو خيارا مقبولا الان عند غالبية الجمهور الفلسطيني ، لأنه لم يعد يثق بمعظم القيادات المعروفة، ولا يريد هذا الشعب ان يضحي لأجل بقاء مجموعة من الأثرياء وأصحاب الملايين ( معظم القادة اغنياء) وان أولادهم يدرسون في اغلى جامعات العالم او يهاجرون او يعملون في " البزنس " ، بينما غالبية الناس يبحثون عن عمل ، ويبحثون عن امل !!
- الخيار الثاني هو التفكير بشكل جديد مع قيادات جديدة وأفكار جديدة وحلفاء جدد . وهذا لن يكون بشكل فوري بل على طريقة الطبيعة الام التي تعلمنا الدروس وان قوانين التطور البيولوجيا يمكن ان تحاكي علم الاجتماع في علوم التطور ( الانتقاء الطبيعي – الصراع من اجل البقاء - الإهمال والاستعمال - الانتحاء – البقاء للأفضل – قانون التفرع والتنوع – وهندسة الوراثة التي تقود الى ان كل جيل يكون اذكى من الأجيال التي سبقته ) .
قناعتي ان إسرائيل لم تنتصر ، وان العنصرية لا تنجح ابدا في تغيير أي شيء ايجابي نحو المستقبل. ولكن قناعتي أيضا ان قيادات الشعب الفلسطيني أضاعت الفرص السابقة ولم تحافظ عليها واهتمت بمكاسبها ولم تكترث لخسائر الناس ، ولم تنتصر بل يواصل كل طرف شتم الطرف الاخر بمشهد سوريالي مقيت أساسه الانكار واتهام الطرف الاخر بالتسبب في فشله. والاعتذار امر تربوي يحتاج الى ثقافة سياسية مختلفة عما اعتدنا عليه .
ان البقاء للأفضل ، وهذا الشعب يستحق فرصة أخرى. ولكن كثير من القادة لا يستحقون فرصة أخرى .

