غزة بين الوصاية ووهم “الإدارة المحلية” .
الكاتب: مروان إميل طوباسي
رغم أنني كتبتُ مقالاً بالأمس حول ما نُشر عن تشكيل ما سُمّي “مجلس السلام في غزة” برئاسة ترامب ، بعنوان : “بين التكنوقراط ومرحلة ترامب الثانية، كيف يُفرَّغ التحرر من مضمونه؟”. إلا أن ما استجدّ منذ الأمس من تصريحات لبعض الأطراف الفلسطينية التي شاركت في لقاء الفصائل بالقاهرة بقيادة "حركة حماس" ، إلى جانب تصريحات صدرت عن عدد من العاملين في السلطة الوطنية ، استدعى العودة إلى الموضوع مجدداً .
فقد جرى تسويق اللجنة المنبثقة عن هذه الخطة من جانب البعض الفلسطيني ، والتي وردت في طرح خطة ترامب الأميركية بوصفها “لجنة تكنوقراط فلسطينية”، باعتبارها “اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة”، والترويج لها كلجنة مهنية من أبناء القطاع ، تتولى إدارة شؤونه ، في إيحاء بأن “غزة سيديرها أهلها” كما قال البعض . وكأننا أمام إنجاز وطني ، لا أمام صيغة جديدة من الوصاية لإدارة الأزمة، بإشراف يشبه من حيث الجوهر دور “مندوب سامٍي” جديد.
إن ما يُطرح حول “مجلس السلام” لا يمكن فصله عن التحول في المقاربة الأميركية–الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية من خلال التصعيد لتصفيتها ، حيث يجري الانتقال من الحديث عن حل سياسي إلى إدارة الواقع القائم . فالفكرة لا تتناول إنهاء الأحتلال أو ضمان الحقوق الوطنية السياسية لشعبنا ، بل تركز على إدارة غزة كملف أمني–اقتصادي بعد عدوان الإبادة ضمن منطق “الاستقرار” لا التحرر ، لكن نحو تنفيذ المشروع الصهيوني ان كنا ما زلنا لا نعلم بذلك .
اللافت في هذا الطرح هو تغييب الفلسطيني بوصفه صاحب قرار سياسي ، وحصر دوره في إطار إداري بلا تفويض وطني أو شرعية شعبية . وهو ما يعيد إنتاج نموذج “السلطة بلا سيادة”، حيث تُدار شؤون الحياة اليومية دون حق رسم السياسات العامة أو اتخاذ القرار ، الذي يبقى حصراً بيد “مجلس السلام” ، الذي دُعي نتنياهو الأنضمام له فجر هذا اليوم ، فيما يُفرغ المشروع الوطني التحرري من مضمونه ، وتتحول القضية إلى ملف خدماتي تحت وصاية يشارك الأحتلال بها .
كما يكشف الحديث عن تشكيل قوة “استقرار دولية” كمكوّن أساسي في الخطة عن مقاربة أمنية صِرفة ، تُقدم فيها الأولوية للأمن بمعناه الإسرائيلي ، لا لأي مسار سياسي حقيقي . فالسلام هنا لا يُعرف كعدالة أو إنهاء للأحتلال ، حتى يعتبره البعض انجازاً بالحد الأدنى ، بل كإدارة هادئة للصراع تضمن أمن “إسرائيل” أولاً .
أما الحضور الواضح والغالب لإدارة ترامب والمؤسسات المالية الدولية ، وفي مقدمتها البنك الدولي ومستثمرون يحمل بعضهم جنسيات إسرائيلية دون تمثيل دولي سوى من بلير وميلادانوف ، فيؤكد أن إعادة الإعمار تُطرح كأداة سياسية مشروطة لا كحق إنساني . إذ يُربط التمويل بإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني في غزة ، بما يحوّل الإعمار إلى وسيلة ضبط ، لا مدخلاً لإعادة بناء وطني شامل .
الأخطر من ذلك هو تسويق “لجنة التكنوقراط” من خلال بعض التصريحات الفلسطينية الصادرة حتى من "المعارضة الوطنية" التي كانت تدعوا الى المقاومة ، باعتبارها لجنة من أبناء غزة لإدارة شؤون القطاع وكأنها هيئة وطنية ، وكأن جوهر الأزمة كان في هوية القائمين على الإدارة لا في طبيعة المشروع نفسه . فإدارة محلية بلا سيادة ، وبلا برنامج سياسي وطني ، وتحت وصاية دولية ، لا تعني أن غزة يحكمها أهلها ، بل تعني إعفاء الأحتلال من أعباء الإدارة المباشرة ، مع احتفاظه الكامل بالتحكم في الأرض والحدود والقرار .
ولا يمنح تغيير المسميات أي شرعية وطنية ، حين يُعاد تعريب وتسمية هيئات وردت في خطة ترامب ، فالشرعية تُستمد من التفويض الوطني ، ووحدة الأرض بين غزة والضفة بما فيها القدس ومن برنامج سياسي تحرري ، ومرجعية منظمة التحرير الفلسطينية كجبهة وطنية جامعة تحتاج الى كل أشكال التطوير والانتخاب الديمقراطي ، والتي تتعرض لكل أشكال الحصار من إدارة ترامب الشريكة بكل اشكال الجرائم بحق شعبنا .
وفي هذا السياق ، لا يمكن تجاهل غياب موقف رسمي واضح صادر عن اللجنة المركزية لحركة “فتح” أو من "المجلس الثوري" الذي عقد اجتماعاته قبل ايام ، أو عن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية إزاء ما يُطرح لغزة ، أو تجاه ما يصدر من تصريحات فردية من بعض المسؤولين . فالصمت في لحظة مفصلية كهذه لا يُقرأ كحياد ، بل كفراغ سياسي خطير يُفتح من خلاله المجال لتكريس مشاريع الوصاية وتطبيع الفصل بين غزة والضفة وتقويض مبدأ وحدة الشعب والأرض .
في المحصلة ، ما يُطرح ليس مشروع سلام ، بل صيغة وصاية تُغلف بلغة الإعمار والاستقرار ، فيما تُؤجل الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالتحرر والسيادة أو تُلغى . والخطر لا يكمن فقط في تنفيذ هذه الرؤية ، بل في تطبيعها كبديل عن الحل السياسي العادل ، في ظل غياب مراجعة نقدية لمسار ما بعد أوسلو ، وتداعيات ما بعد السابع من أكتوبر ، أو حتى الأعتراف بالفشل والبدء بمنهجية عمل بارادة سياسية وطنية ديمقراطية مستقلة تفتح أفق مرحلة جديدة امام شعبنا وتضحياته .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح" .

