اللغات هي العربية الجزيرية وليست "السامية"
الكاتب: بكر أبوبكر
أضأنا بمقالات سابقة على كلمات أو مصطلحات لا تحمل من الحقيقة العلمية الا الوهم والأسطرة، مثل مصطلح "سام" و"سامية" المخترع. واخرى مرتبطة بالاسم "لاسامية" استخدمت للتخويف والترويع مقابل تبرئة العدوان الصهيوني من جرائم الاحتلال وكل نقيصة أو انتهاك لحقوق الانسان، وفرقنا بين اليهودية كديانة عالمية، وبين الحركة الصهيونية الاستعمارية الإقصائية بإحلال شعب مقابل الشعب الفلسطيني صاحب الأرض، ثم كان التبيان الى أن مصطلح معاداة السامية "اللاسامية" لا تعني مطلقا-إن فهمناها معاداة اليهود-نفس الشيء، حين الحديث عن الحركة الصهيونية أو نقد ورفض ممارسات الكيان الإسرائيلي، ومقاومة الاحتلال الصهيوني لفلسطين. وهنا ونرفق لكم هنا جزء من ورقة بحثية منشورة في موقع الجامعة المستنصرية في بغداد حول "السامية" كالتالي:
تسمية اللغات "السامية"
تسمية اللغات "السامية" بهذا الاسم، فهي تسمية لا تستند على أساس رصين من الواقع التاريخي. ويعد المستشرق النمساوي شلوتزر أول من أطلق في أبحاثه سنة 1781 ميلادية مصطلح "الساميين" (؟!) على تلك الأقوام لتشابه لغاتهم، وذلك بناء على ما جاء في شجرة الأنساب في الإصحاح العاشر من سفر التكوين من العهد القديم، من أن تلك الأقوام تنحدر من ســـام، وهو احد أبناء نوح الثلاثة: حــام وســام ويافث، فسميت لغات نسل سام باللغات السامية والمتكلمين بها بالساميين في حين سميت المجموعة الثانية من اللغات التي انتشرت في شمال أفريقيا بخاصة باللغات الحامية نسبة إلى حام.
وشاعت تسمية اللغات السامية والأقوام السامية أو الساميين منذ أواخر القرن الثامن عشر(!) وحتى الوقت الحاضر، رغم ما فيها من قصور في الدلالة ولبس وافتراض سلسلة من النسب لا يعلم صدقها إلا الله(جل وعلا)، فضلا عن عدم دقتها وافــتقارها إلى الأساس العلمي، الذي يثــبت أن كـل هـذه اللغات وأهـلها ينتسبون إلى سام بن نوح، حتى وقعت موقعا حسنا في نفوس الباحثين واللغويين، ولا سيما الأوربيين منهم، لسهولتها ولأنها تؤكد ما جاء في الكتاب المقدس الذي يقره اليهود والنصارى في جميع أنحاء العال
تسميات بديلة:
وفي ضوء ما تقدم بات من الضروري إيجاد تسمية بديلة لهذه الأقوام وللغات التي استخدمتها، وكان أول من دعا إلى ذلك هو المرحوم الدكتور جواد علي، في كتابه (تاريخ العرب قبل الإسلام)، إذ قال: " فالذين عاشوا قبل الميلاد بقرون عديدة وبألوف من السنين، هم عرب، وان لم يدعوا عربا... ولعلني لا أكون مخطئا أو مبالغا إذا قلت أن الوقت حان لاستبدال مصطلح سامي وسامية بعربي وعربية ، فقد رأينا أن تلك التسمية، تسمية مصطنعة تقوم على أساس التقارب في اللهجات وعلى أساس فكرة الأنساب الواردة في التوراة... أما مصطلحنا العرب الذي يقابل السامية، فهو اقرب عندي – في نظري – إلى العلم وليس ببعيد ولا بقريب عن العلم والمنطق أن السامية عربية لكونها ظهرت في جزيرة العرب ونحن نعلم أن كثيرا من العلماء يرون أن جزيرة العرب هي مهد الساميين".
ويبدو أن المرحوم الأستاذ جواد علي، بحسب ما يقول الدكتور عامر سليمان، لم يكن واثقا كل الثقة من التسمية التي اقترحها، فضلا عن أنه تعرض إلى انتقادات كثيرة؛ مما دفعه إلى التراجع عن هذا الرأي في العام 1968 في كتابه التالي، ولم يقدم مصطلحا بديلا مثلما فعل في المرة الأولى.
وفي العام 1973 أشار أستاذنا المرحوم طه باقر في كتابه ( مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ) إلى تسمية الساميين واللغات السامية واقترح ضرورة استبدالها بتسمية أخرى بعد أن ثبت عدم دقتها وقال: ( يجدر بنا أن نبيّن أن هذه التسمية الشائعة، أي الساميين واللغات السامية، غير موفقة ولا صحيحة في رأي رغم شيوعها في الاستعمال، ولو أننا سمينا هذه اللغات بلغات الجزيرة أو اللغات العربية والأقوام السامية بالأقوام العربية أو أقوام الجزيرة لكان ذلك اقرب إلى الصواب). إلا أن الأستاذ طه باقر لم يأخذ بأي من مقترحاته، إذ استعمل مصطلح السامية واللغات السامية في الصفحة التالية من كتابه نفسه واكتفى بتقديم المقترح.
وأشار الأستاذ لطفي عبدالوهاب في كتابه (العرب في العصور القديمة) إلى خطا التسمية القديمة من الجــوانب العلمية والأنثروبولوجية والتاريخية واللغوية، إلا إنه لم يقــدم بديلا عنها.
وفي العام 1978 قال الدكتور عامر سليمان في كتابه ( محاضرات في التاريخ القديم ) بضرورة استبدال الاسم، بعد أن بين خطأه، بمصطلح اللغات العربية القديمة، وتسمية المتكلمين بها بالأقوام العربية القديمة، اعتقادا منه بأنه لا بد وأن تضمّ التسمية البديلة اسم العرب، وهم العنصر الأول والأساس، الذي عاش في شبه الجزيرة العربية وما يزال. ولتمييزهم عن العرب الحاليين، الذين يؤلفون قسما مهما منهم، وصفهم بالقدماء ووصف لغاتهم بالقديمة. وفي الأعوام التالية استعمل عدد من الباحثين العراقيين مصطلح اللغات الجزرية والأقوام الجزرية بدلا من اللغات السامية والساميين. وأبرز هؤلاء الباحثين
المرحوم الدكتور سامي سعيد الأحمد ، فهو أول من استعمل اصطلاح الجزري واللغات الجزرية والأقوام الجزرية بدل السامي والسامية والأقوام السامية في بحث عنوانه ( الجزرية وليس السامية ) باللغة الانكليزية ونشر في جريدة (بغداد اوبزرفر ) في 27 تشرين الأول 1978 عدد 3259 ، وخلاصة رأيه تتمثل ، بما أن المجموعات البشرية التي اندفعت من شبه الجزيرة العربية سواء من شمالها الغربي (منطقة الجزيرة الفراتية) أو من أجزائها الأخرى فيستحسن إطلاق لفظة الجزريون (سكان الجزيرة العربية) عليهم.
وفي العام 1999 أغنى المكتبة العربية الأستاذ الدكتور محمد بهجت قبيسي بكتابه القيم (ملامح في فقه اللهجات العربيات ، من الاكدية والكنعانية وحتى السبئية والعدنانية)، إذ انه استعمل مصطلح اللهجات العربيات، للدلالة على اللغات التي تفرعت عن اللغة الأم التي كان موطنها الأول في شبه الجزيرة العربية، وبذلك أطلق على كل لهجة تفرعت عن تلك اللغة الأم اسمها كما ورد في النصوص القديمة مسبوقا بعبارة (اللهجة العربية) فسمى الأكدية مثلا اللهجة العربية الأكدية، والآرامية اللهجة العربية الآرامية وهكذا. وكان آخر تسمية مقترحة هي التي قدمها الأستاذ الدكتور خالد إسماعيل، الذي عنون كتابه عن فقه هذه المجموعة من اللغات بالتسمية المقترحة وهي (فقه اللغات العاربة المقارن).

