ترمب يعلن: قدراتي الإدراكية بخير
الكاتب: رأي مسار
على مدى ولايته الأولى إضافةً إلى العام الأول من ولايته الثانية، وجد في أمريكا من يشكك في قدرات الرئيس الإدراكية، وهذا حتى لو كان محدوداً فهو تشكيكٌ يتجاوز الشأن الشخصي ليطال قيادة أقوى دولةٍ في العالم، وإدارة أزماتٍ كبرى لا تخلو منها منطقة من القارات الخمس.
الرئيس ترمب عالج هذه الحكاية، باللجوء إلى أطباء البيت الأبيض الذين كما قال، فحصوه مرتين، ومنحوه شهادةً تثبت أن قدراته الإدراكية بخير، وقد أضاف من عنده بأنها نموذجيةٌ تماماً.
ما علينا.. فأهل أمريكا وأطباء البيت الأبيض، أدرى بحالهم وحال رئيسهم، ويعرفون أكثر من غيرهم حقيقة الوضع الصحي الجسدي والعقلي والنفسي للرئيس، كما لا يعنينا هل صدّق الأمريكيون والعالم شهادة أطباء البيت الأبيض أم لا، غير أن لنا ملاحظاتٍ حول الحكاية.. منها أن الرئيس ترمب ربما يكون أول رئيسٍ أمريكي يدخل امتحاناً هو من يضع أسئلته وأجوبته وعلامته النهائية عنه.
مثلاً حين اكتسح ممداني نيويورك تفرّج العالم على ترمب قبل الانتخابات وبعدها... قبل الانتخابات ذهب إلى الحد الأقصى في التهديد والوعيد ليس لممداني وناخبيه، وإنما لنيويورك كلها، بما في ذلك اختراق الدستور بشأن تمويل المدينة الكبرى حال فوز ممداني، مع علم ترمب ومستشاريه بأن ممداني كان فائزاً لا محالة، أمّا بعد الفوز فقد قرر ترمب بأنه أكثر وسامةً من ممداني، ولولا الخوف من سخرية الأمريكيين لقال بأنه أكثر شباباً منه!
الأطباء لهم كلمةٌ تحترم في مجال الأمراض التي تصيب الجسد، وللمختصين كذلك رأيٌ يُحترم في مجال تشخيص الحالة النفسية والإدراكية لأي شخصٍ وفق القواعد الطبية المتفق عليها، إلا أن ما لا صلة للأطباء فيه هو الخيارات السياسية، والقرارات التي تتحذ بشأنها، وهذه هي المشكلة الأساس مع الرئيس ترمب، وفي هذا المجال نحتاج إلى حاسوبٍ متطورٍ ليدلنا على كم كان الرئيس غير منطقي في قراراته الداخلية والخارجية، ومنها ما حدث اليوم في فنزويلا، ولننحي الداخلية جانباً ونكتفي بشهادات كبار الكتّاب الأمريكيين أمثال توماس فريدمان في تشخيصهم لقرارات وتوجهات الرئيس، أمّا في الشؤون الخارجية فمنذ توليه أعلن حروباً على دولٍ قريبةٍ وبعيدة، وأعلن عزمه على شراء دولٍ أو استئجارها وغيّر مسمى وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، وفتح أبواب جهنم على غزة عدة مرات، وفي لقاءه الأخير مع نتنياهو كان الواقع كما يقول جدعون ليفي في هآرتس خارج النقاش، لم يكن هناك أكثر من مليوني إنسان يخوضون الوحل والبرد، وكان هناك نحو مائة ألف قتيلٍ من أهل غزة، بينما لم يكن على بساط البحث في ذلك اللقاء سوى جثةٍ إسرائيليةٍ واحدةٍ فقط، ويقول ليفي في هآرتس، لقد منح ترمب إسرائيل حصانةً كاملةً وعمياء وتلقائية، ومن يعتقد أن هذا خبراً ساراً فليذهب إلى قطاع غزة.
إن القرارات السياسية في شأن الحرب والسلام، لا يحدد سدادها من عدمه الأطباء، وإنما النتائج وعلى هذه القاعدة يجري تقويم أداء ترمب وما يُفضي إليه.

