حركة فتح، في انطلاقتها
الكاتب: المتوكل طه
الحلقة الأولى
***
أعتقد يقيناً؛ بأنّ النصّ، أيّ نصّ، عندما يتّصل بالسُلطة، فإنه يفقد ماهيّته وجدواه، لأنه يصبح ذا هوى، ويصير أداة مكشوفة ورخيصة، للتبرير أو التجميل. وعندها ينتفي عنه جلال الانتماء الحقيقي، وزهو الغاية النبيلة، المتمثلة بالنقد الواجب، والمساءلة الهادفة لتجاوز المهابط.
وتحرص السُلطة، أيّ سلطة، لأن يكون لها سياقها الثقافي والفكري والعَقَدي، الذي يقدّمها سائغة لجمهورها، ويبرّر سقطاتها وإخفاقاتها، وينافح عن سياساتها وامتيازاتها الظالمة، بحقّ شعبها..ما يجعل النصّ متآمرا وشريكا أصيلا في التمويه والقمع والتغريب والاستلاب والتعمية. وهنا لا يمكن توصيفه إلا بالرّخص والمجّانية المؤذية. ويعجبني إدوارد سعيد في قوله عن تأملات أدورنو: "إن من المناقبيّة الأخلاقية أن لا يشعر المرء بالراحة والانتماء في أيّ بيت". وبهذا المعنى فإن على الكاتب أن يعبر الحدود ويزيل العوائق في الفكر والتجربة. وعليه أن يظلّ متشككّاً، يقظاً على الدوام، لا يتملّق السُلطة، ويرفض الطمأنينة والانخراط.
أسوق هذه المقدمة؛ لأدخل، دون إكراهات، لقراءة ومراجعة حركة فتح، دون شخصنةٍ أو تعمّلٍ، آملا بعث حوار عميق جدّي، تتطلّبه اللحظة، حتى تعود فتح العظيمة، إلى روحها المتوثّبة، القادرة على الإجابة، أو طرح الأسئلة الصحيحة في الزمن الخطأ.
لقد قدّمت فتح، الشهداءَ والأسرى، وقامت ببطولات فذّة وعبقرية وعمليات فدائية جسورة، لأن عقيدتها ومبرّر وجودها، منذ تأسيسها، كانت موضوعة التحرير، لذا؛ حظيت بمصداقية جعلتها قادرة على الفعل والامتداد والتواصل والبقاء. لكن هذا لم يكن عقيدة النظام الذي أنشأ منظمة التحرير واستهدف السيطرة على إرادة الشعب الفلسطيني. لقد اكتشف الشعب الفلسطيني بعد حرب النكسة عام 1967، أن النظام العربي لم يمنعه فقط من تحرير أرضه المحتلة عام 1948، بل حال دون إمتلاكه قدرات المقاومة للمحافظة على ما تبقى من أرضه في الضفة الغربية وغزة والقدس. ولهذا ظلّت فتح مًستهدَفة منذ البدايات، فخاضت معارك للدفاع عن الثورة أكثر مما خاضت معارك ضد الإحتلال. وأعتقد أن قوى الاستعمار والصهيونية، وبالذات في الغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، عبر ذيولها، قد استطاعت - للأسف الشديد - دفعَ الظاهرةَ الفلسطينية والحالة التي مثّلتها الثورة، وعلى رأسها فتح، استطاعت أن توصلها إلى النقطة التي تريد، أي إلى طاولة التفاوض مجرّدة من كل عناصر القوة، وبغير شروط الثورة. كما استطاع الغرب وأذرعه الرجعية والمكرّسة لخدمته، محاصرة المشهدَ الفلسطيني في مربّع، يضيق تدريجياً، إلى حدّ أننا أصبحنا محاصرين، في عدد من السجون الكبيرة (المدن والبلدات والقرى والمخيمات). وتفتتت وحدة الشعب وتفتت المشروع الوطني، فأصبحت أولوية الشتات هي العودة، وأولوية الفلسطينين في أراضي 1948 المساواة بالحقوق ضمن دولة الاحتلال، بينما يُلحِف شعبنا في الأراضي المحتلة العام 1967 على الاستقلال وإقامة الدولة "المجزوءة"،عداك عن المشهد المخيف في غزة، والذي ينادي بالعمران وبقاء الناس في أرضهم، وسيطرة سلطات الاحتلال على الكثير من تفاصيل حياتنا، لا سيما في القدس.
وهذا لا يعني أنني أغضّ الطرف أو أنسى أن الشعب الفلسطيني قد قطع شوطاً مضنياً وطويلاً على طريق تأكيد ذاته واستعادة هويته والمحافظة على شخصيته الوطنية والثقافية، وجعل من منظمة التحرير وطناً سياسياً، رغم كل استطالات النفوذ العريي داخلها..هذا الجهد المتواصل، الذي لن يموت ولن يتوقف، ويبقى يصطدم مع نظرية متواصلة وداهمة، تحاول ردّه على أعقابه، والقضاء على ما حققه، والعودة به إلى نقطة الصفر. وهي نظرية مدفوعة بإرادة الإلغاء والشطب والنفي الصهيونية الغربية الرجعية، تواجهها إرادة التحدّي والبقاء الفلسطينية. وأعتقد أن هذا الصراع بين الإرادتين سيتواصل، إلى أن يبلغ شعبنا أهدافه ويتمّم أحلامه، وسيبقي الصراع صراعاً وجودياً وشمولياً.
وباختصار؛ فإن هناك ثلاثة أخطاء استراتيجية اقترفناها، وهي:
الأول: أننا انتزعنا تمثيلنا للشعب الفلسطيني بشرعية البندقية المقاوِمة، لكنّنا بالمقابل خسرناه، نسبياً.
الثاني: أنها أقدمنا على أكبر مغامرة سياسية يمكن لحركة تحرر وطني أن تُقدِم عليها، وهي قبولها التفاوض مع التخلّي عن أداتها الكفاحية.
الثالث: بعد الخروج من بيروت وافتقاد القاعدة الآمنة.. تحوّلت القيادة من خندق محاربة التطبيع إلى منصّة توظيف التطبيع.
وثمّة أخطاء أخرى منها، التقليل من أهمية المحافظة على الوحدة الوطنية، حتى صرنا خارج الزمن، في جزء من تواجدنا. والأخطاء المتعلّقة بقوانين مواجهة الاحتلال (اللّاتعايش مع الاحتلال). وقبول تحويل المؤقّت إلى دائم. وتضخيم الانجازات الرمزية واعتبارها انتصارات. وربط الاقتصاد الفلسطيني بالاحتلال، واستخدام نظام الاقتصاد الحرّ في مرحلة التحرّر، واستبدال مفهوم التحرر الوطني بالتنمية الوطنية.
ومع هذا، ولهذا كلّه؛ فإن القوّة المؤهّلة على الساحة الفلسطينية، والقادرة على مدّ نظرية التحدّي الفلسطينية بدافعيّة جديدة ودماء متدفّقة نقيّة، هي حركة فتح، ولكن بمفردات جديدة، وبإعادة تعريف مقاوِم للذات، تتخفّف فيه حركة فتح، من حمولة الاتفاقيات المقيدة لإرادتها الوطنية، ومن أولئك الذين ربطوا مصيرهم ومصالحهم بدولة الاحتلال، ما يحقق ولادة جديدة لفتح، بالإفادة من "الثورة"بمعناها وجوهرها النقي، لأن فتح هي العنوان الوطني الجامع الذي لم يحصر نفسه بفكرة أيديولوجية أو اجتماعية أو فئات بعينها، بل تقاطعت رؤيتها مع المصلحة الوطنية برمّتها، في الخلاص والتحرير. ولأن فتح للجميع، وتجسّد هويّتنا الوطنية. غير أن انزلاق فتح إلى السلطة، وانخراطها في ثناياها أحدث صدمةً، وبكل المقاييس، لأن السلطة أصبحت أكبر العوائق أمام مسيرة التحرير، فَمكوّنها ووظيفتها هي وظيفة مُعطِّلة للتحرير، سواء على مستوى المكوِّن الأمني أو المدني، لأن الأمني في خدمة الأمن الذي يريده الاحتلال، والمدني أعفى الاحتلال من كل مسؤولياته، وجعله أرخص احتلال في التاريخ، واحتلال بلا ثمن! حتى أن هذا الاصطلاح تستخدمه السلطة من رئيسها إلى رئيس قسمها..دون العمل وفق دلالاته.
وأصبح سؤال "ما البديل" و"ما العمل" سؤالاً مُستعصياً، لأنها حوّلت شعباً بأكمله من صاحب مصلحة في التحرير إلى صاحب مصلحة في التعايش مع الواقع الثقيل.
باختصار؛ لقد كانت السلطة زمن الرئيس عرفات ومع بداياتها، رغم كلّ القيود والملاحظات، تذهب في سياق مهمّة التحرير، لأنها كانت "عامل تأزيم"، وبحثت عن كل المخارج، وواجهت أزمات..حتى دفع الرجلُ حياتَه ثمناً لذلك. لكن السلطة،بعد سنوات، وبعيداً عن الأشخاص والاتّهامات، أصبحت "عامل تهدئة" ، ومنحت الاحتلال استقراراً من حيث الكيفية والزمن..لم يتوقّعه منذ إقامة دولته الغاصِبة.
إننا لا نميل إلى انتقاد الأشخاص وتحميلهم المسؤوليات،بغض النظر عن كل الملاحظات وسوء الأداء أو تميّزه، فالموضوع أكبر من ذلك بكثير، لكن ذلك لا يعفينا ولا يعفيهم من مواجهة الواقع والحقيقة الصادمة، أن هذا المشروع قد فشل ووصل إلى نهايته. ولا يحقّ لأحد، كائناً مَن كان، أن يوهِم نفسَه أو غيره أنه يمتلك معجزة ستأتي بِحَلٍّ سحريّ من جعبة الحاوي، لأن هذا ببساطة هو بيعٌ للوَهمْ، ولم يعد شراء الوقت ممكناً أو مفيداً، لأن المسافة بين أهدافنا، التي نسعى لتحقيقها، بالحرية والاستقلال والدولة والعودة والقدس، قد ضاقت إلى حدّ مفجع، ولا يمكن مدّها زمنياً أو موضوعياً. وإذا ما استمرّت القيادة في نهجها الحالي..عندها، لا مناص من أن نقول إنهم سيتحمّلون المسؤولية عن المصير المظلم الذي دُفِع إليه شعبنا، وسنتحمل معهم مسؤولية الصمت، إنْ رضينا بذلك.

