المحافظون يتصدرون واليسار يتراجع: مشهد سياسي جديد في ألمانيا!

الكاتب: رائد محمد الدبعي
رئيس قسم العلوم السياسية وادارة الدولة: جامعة النجاح الوطنية
رسمت نتائج الانتخابات الفدرالية الالمانية التي سجلت أعلى مشاركة منذ إعادة توحيد المانيا بنسبة بلغت 82.5 %, معالم مشهد سياسي جديد في الدولة التي تشكل أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، وثالث اقتصاد على مستوى العالم، إذ أن أهمية نتائج الانتخابات الالمانية تنبع من أهمية المانيا ذاتها، بما تمتلكه من تأثير على مستوى الاتحاد الأوروبي، وصياغة قراراته الاقتصادية والأمنية والبيئية،وكذلك في صياغة السياسات الأوروبية و تعزيز التكامل الأوروبي والتعاون بين أعضاءه في مجالات السياسة الخارجية والأمنية المشتركة.
حقق الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي ( CDU/CSU ) فوزًا بارزًا بحصوله على 28.5% من الأصوات، مما يمهد الطريق لزعيمه فريدريش ميرتس لتولي منصب المستشار، فيما مني الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) باقصى خسارة له منذ تأسيس المانيا الاتحادية، بنسبة لم تتجاوز 16.4% فقط من الأصوات، أما حزب الخضر، فقد نال 11.6% من الأصوات، بينما حصل حزب اليسار (Die Linke) ) على 8.8%، في المقابل فشل الحزب الديمقراطي الحر ( FDP) في تجاوز عتبة الـ5%، مكتفيًا بـ 4.3%، مما أدى إلى خروجه من البوندستاغ. أما حزب" سارا فاغنكنشت " المنشقة عن اليسار "دي لينكه"، فقد استطاع جذب المصوتين له وإن بقي يصارع على حافة عتبة الحسم المحددة بـ 5% (إذ نال 4.9%)، ولم يدخل البرلمان أيضا.
شهدت هذه الانتخابات صعودًا لافتًا لحزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرف، الذي احتل المركز الثاني بنسبة 20.8% من الأصوات، مسجلاً أفضل نتيجة له منذ تاسيسه عام 2013.
اليسار واليمين، عوامل التقدم والفشل
يعود هذا التقدم لليمين المتطرف في المانيا، إلى تداخل مجموعة من العوامل الممتدة من تحول الهوية الطبقية والاقتصادية إلى استغلال مخاوف الهوية والأمن، وفقدان الثقة في الأحزاب التقليدية، والتي كان من تداعياتها شعور العديد من القواعد الانتخابية للأحزاب التقليدية انها لم تعد تمثل مصالحهم، مما دفع نحو اللجوء إلى التيارات اليمينية التي تعد بتغيير جذري ونظام سياسي مختلف، كما أن التحولات في سوق العمل والأزمة الاقتصادية قادت نحو خسارة الحزب الاشتراكي الديمقراطي جزءا من قاعدته الانتخابية المتمثلة بطبقة العمال، نتيجة عدم نجاحه في تقديم سياسات تراعي واقعهم الجديد، وهي الفجوة التي تسربت منها التيارات اليمينية لا سيما حزب البديل من أجل المانيا للحصول على أصوات الناخبين، كما أن استخدام استراتيجة " هم ونحن " ، عبر استغلال مخاوف الألمان في قضايا كالهجرة وتصوير اللاجئين بالخطر على الهوية الوطنية والثقافية قد ساهم في جذب شريحة واسعة من الناخبين الباحثين عن أي مصدر للحماية وتعزيز مقومات المناعة الوطنية، فيما ساهمت الأزمات الداخلية والصراعات داخل قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي في تهشم صورة الحزب، وخسارته لعدد كبير من ناخبيه، سواء كانت تلك الخلافات بين التيار المعتدل داخله من جهة، واليساري من جهة أخرى، والذي يطالب بتغييرات أعمق في السياسات الاجتماعية والاقتصادية لاستعادة جوهر الهوية الاشتراكية التقليدية، او الخلافات حول دور النقابات العمالية وتاثيرها في توجيه السياسات الحزبية، او اتساع الفجوة بين قيادات الحزب حول شكل التحالفات الحكومية على المستويات الفدرالية والمحلية.
سيناريوهات تشكيل الحكومة الألمانية القادمة:
من المتوقع أن يمر تشكيل الحكومة الألمانية المقبلة بتعقيدات كبيرة، وأن تكون مفاوضات الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي مع مختلف الأحزاب السياسية شاقة ومعقدة، لا سيما في ظل الفجوة الواسعة بين مكونات اي سيناريو محتمل حول السياسات الاقتصادية والمالية، والموقف من قضايا الهجرة والاندماج، والسياسات البيئية والتغير المناخي، وقضايا الطاقة، والمناخ، والأمن، وغيرها من القضايا، لا سيما مع إعلان فردرش بيريس عن قراره باستبعاد حزب " البديل من أجل المانيا" من مشاورات تشكيل ائتلافه الحكومي القادم، وتفضيله التحالف مع الحزب الاشتراكي الديموقراطي، من أجل حكومة مستقرة، تعكس القيم الألمانية الديمقراطية، وتعزز الاستقرار المجتمعي والسياسي في البلاد، يطلق على هذا التحالف اسم، التحالف الكبير (Grand Coalition) ، على الرغم من أن بعض التقارير تشير إلى رغبة غير معلنة داخل الحزب "الاجتماعي المسيحي"، الحزب البافاري الشقيق للديمقراطي المسيحي، لتلمس فتح نافذة خجولة لحزب البديل لأجل ألمانيا المتطرف، إلا أن ذلك يبدو مستبعدا للغاية، نظرا لوجود إجماع لدى مختلف الأحزاب الالمانية بإبقائه خارج السلطة التنفيذية.
يعتبر سيناريو التحالف الكبير، الأكثر ترجيحا لتشكيل الحكومة الجديدة ، إذ يعزز هذا السيناريو الحاجة للاستقرار السياسي والاقتصادي، والتاريخ المشترك بتشكيل حكومات ائتلافية، بدءا من حكومة كورت جورج كيزينغر " 1966- 1969” التي شغل خلالها فيلي براندت موقع نائب المستشار ووزير الخارجية، مرورا بثلاث ائتلافات خلال رئاسة انجيلا ميركل للحكومة بدءا من عام 2005, وانتهاءا بعام 2021، تعزز هذا السيناريو، إلا أن التباينات العميقة حول التوجهات الاقتصادية والاجتماعية لا سيما في مجال السياسات الضريبية والإنفاق الاجتماعي، فضلاً عن كيفية التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية، وكذلك معارضة القواعد الحزبية من كلا الحزبين له، ستجعل من مفاوضات التحالف معقدة وشاقة وتتطلب تنازلات مشتركة، إلا أنه يبقى تحالف الضرورة والأمر الواقع والأقل تكلفة لدى الحزبين مقارنة بتكلفة الفرص البديلة المتمثلة بالتحالف مع حزب البديل من أجل المانيا اليميني المتطرف.
أما السيناريوهات الأخرى، فتتباين ما بين متوسطة التحقق إلى متدنية للغاية، فعلى الرغم من أن تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي / الاتحاد الاجتماعي المسيحي مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر في تحالف ثلاثي ممكن الحدوث، إلا أن التباينات العميقة في مجالات البيئة والطاقة والهجرة والأمن وكذلك المعارضة الداخلية من كل مكوناته يجعله أكثر تعقيدا، لكنه متوسط فرص النجاح، بينما تبقى فرص سيناريو تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي / الاتحاد الاجتماعي المسيحي مع كل من حزب الخضر وحزب اليسار متدنية للغاية، نظرا للخلافات الايدلوجية الضخمة، لا سيما في القضايا الاقتصادية وقضايا الدفاع والسياسة الخارجية، والمعارضة الداخلية له من حيث المبدأ، إذ أن المواقف اليسارية الراديكالية لحزب اليسار بما في ذلك مطالبته بإعادة توزيع الثروة، ورفضه لعضوية المانيا بالناتو يجعل من فرص هذا السيناريو منخفضة للغاية، وهو الأمر الذي ينطبق على سيناريو تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي / الاتحاد الاجتماعي المسيحي مع حزب البديل من أجل المانيا اليميني المتطرف، إذ أكد فردرش ميرتس في أكثر من مناسبة أنه لن يتحالف مع البديل من اجل المانيا، نظرا لمواقفه المتطرفة وخطابه العنصري ضد المهاجرين والمسلمين ومعاداته للاتحاد الاروبي، وما قد يخلقه هذا التحالف من توترات داخلية على المستوى الألماني أو داخل دول الاتحاد الأوروبي.
حكومة لا أسف عليها فلسطينيا:
على الرغم من دعوة فردريش بيرس لنتياهو زيارة المانيا، وتجاوزه للقانون الدولي وقرار الاعتقال الصادر بحقه من محكمة الجنايات الدولية لارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والذي يعتبر مؤشراً على انحياز الحكومة القادمة مع اسرائيل وجرائمها ضد شعبنا الفلسطيني، إلا أننا لا نستطيع الاعتبار أننا فلسطينيا فقدنا أصدقاء لنا في أوروبا، كما هو الحال في خسارة الحزب الاشتراكي الديمقراطي في السويد، إذ أن الحكومة الألمانية السابقة والتي تكونت من أحزاب يسارية وتقدمية، برئاسة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، ومشاركة حزب الخضر، والحزب الديمقراطي الحر، انحازت بشكل صارخ للاحتلال الاسرائيلي، سواء كان ذلك عبر زيادة صادراتها من الأسلحة لإسرائيل، أو عبر قمع المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين في برلين وغيرها من المدن الألمانية، أو عبر إعلان الحكومة الألمانية عن نيتها التدخل إلى جانب إسرائيل في القضية المرفوعة ضدها من قبل جنوب إفريقيا في محكمة العدل الدولية، والمتعلقة بجرائم الإبادة الجماعية ضد المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، أو عبر عشرات التصريحات المنحازة لاسرائيل بما في ذلك المستشار الألماني اولف شولتز الذي أكد التزام بلاده بتقديم الدعم العسكري لإسرائيل، مشددًا على ما أسماه حقها في الدفاع عن نفسها ، وتصريحات أنالينا بيربوك، وزيرة الخارجية أمام الجمعية الاتحادية الألمانية في أكتوبر 2024، بأن "الدفاع عن النفس يعني بالطبع تدمير الإرهابيين، وليس مهاجمتهم فقط"، وزعمت أن حماس تختبئ في التجمعات المدنية والمدارس، مما قد يفقد هذه الأماكن وضعها المحمي، وهو الأمر الذي يبرر اعتداء اسرائيل على الأماكن المدنية في قطاع غزة .
تغيرات مرتقبة :
من المتوقع أن يقوم برنامج الحكومة الألمانية القادمة على تعزيز النمو الاقتصادي من خلال تقليل البيروقراطية وتقديم حوافز للشركات، والتعامل مع الركود الاقتصادي وتبني سياسات مالية تهدف إلى إنعاش الاقتصاد بالاضافة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، إذ من المتوقع أن يقر البرلمان الألماني صندوقا دفاعيا جديدا بقيمة 200 مليار يورو قبل نهاية الدورة التشريعية الحالية، اما على صعيد السياسة البيئية، فمن المتوقع أن يلتزم الائتلاف الحكومي القادم بأهداف المناخ، بما في ذلك التزام المانيا بتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2045، وتطوير مصادر الطاقة المتجددة، مع إمكانية مراجعة تلك السياسات لتتوازن مع أولويات التنمية الاقتصادية، أما في موضوع الهجرة واللجوء، فمن المتوقع تشديد سياسات الهجرة عبر مراجعة قوانين اللجوء، وعلى صعيد السياسة الخارجية فمن المتوقع تبني سياسات تقوم على تعزيز الدور الأوروبي وتقوية دور ألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي، مع التركيز على تحقيق استقلالية أوروبية أكبر في مجالات الدفاع والاقتصاد، خاصة في ظل التوترات مع بعض الحلفاء التقليديين.