الأفارقة من حالة الأستعمار إلى محاولات الأندماج ومواجهة العنصرية
الكاتب: مروان أميل طوباسي
في مباريات بطولة أمم أوروبا لكرة القدم التي انتهت قبل ايام قليلة والتي تابعها العديد منا كما في البطولات السابقة والعديد من الدوريات الأوروبية ، لربما هذه المرة بتفاصيل اكبر في محاولة منا غير حقيقية للهروب من شاشات اخبار جحيم مآسي شعبنا اليومية على اثر حرب الإبادة التي ينفذها الأحتلال .
لقد بات يلعب اللاعبون من أصول أفريقية أدواراً حاسمة في تحقيق الانتصارات لفرق الأندية والمنتخابات الأوروبية . هذه الظاهرة من وجود ودور الأفارقة في أوروبا لا تقتصر على كرة القدم فقط ، بل تمتد إلى مجالات أخرى مثل المشاركة بالانتخابات الأوروبية البرلمانية والبلدية ، حيث يشارك الأفراد من أصل أفريقي بل وعربي بنشاط ونجاح ويصل عدد منهم الى المواقع القيادية والتمثيلية في محاولة لإثبات مكانتهم ودورهم كشعوب تعرضت للأضطهاد والأستعمار الأوروبي من بين شعوب الدول التي تم اضطهادها عبر التاريخ ، وهي اليوم تتحدى بقوة هذا السياق .
العديد من افراد تلك الشعوب الافريقية أصبحوا اليوم عنصراً أساسياً في نجاحات مجتمعات بعض الدول الأوروبية التي ما زالوا يعانون فيها آفة العنصرية البيضاء الأوروبية من متطرفين اليمين السياسي والأجتماعي الذين يرفعون شعارات معاداة الأفارقة والاقليات الاثنية التي لجئت الى أوروبا بفعل عوامل مختلفة ، منها بؤر الحروب والفقر والبطالة في محاولة للبحث عن حياة افضل ، كما فعل العديد من شباب غزة خلال العقد الأخير عبر رحلات الموت عبر البحر واللجؤ الى جنوب أوروبا .
-- السياق التاريخي بين الإستعمار والهجرة .
تسبب الإستعمار الأوروبي البشع لأفريقيا ، الذي بلغ ذروته في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، في اضطرابات اجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة في المجتمعات الأفريقية . فقد قامت دول مثل فرنسا وبريطانيا وبلجيكا والبرتغال وهولندا بإنشاء مستعمرات ، مستغلة الموارد والمصادر فيها والاستيلاء عليها من خلال فرض حكومات متعاونة وموالية ارتكبت أبشع الجرائم بحق الشعوب نفسها هنالك واتباع اساليب الانقلابات وحروب القبائل التي اشاعتها دول الإستعمار سابقا ، مما ترك إرث الاستعمار هذا آثاراً لا تمحى فيها بسهولة حتى اليوم ، بما في ذلك الهجرات القسرية وإنشاء جاليات أفريقية في أوروبا ، كما وما تبقى من بؤر التوتر والصراعات في افريقيا حتى الان .
بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت أوروبا موجات من الهجرة من أفريقيا، حيث سعى الكثيرون إلى حياة أفضل في القارة الأوروبية التي عمل الأوروبيين على افقارها في سياق سياسات سيطرة الشمال على الجنوب . حيث ساهمت هذه الهجرات في تشكيل مجتمعات متماسكة الى حد ما من الأفراد ذوي الأصول الأفريقية في الدول الأوروبية ، وبدأ أبناء هذه الجاليات في محاولات الاندماج والمشاركة في مختلف المجالات ، بما في ذلك الرياضة والسياسة والاقتصاد .
-- كرة القدم كمنصة للتأثير ،
كرة القدم وهي الرياضة الأكثر شعبية في العالم أصبحت منصة هامة لأبناء الجاليات الأفريقية ومنها العربية لإظهار مهاراتهم وإحداث تأثير كبير . اللاعبون من أصول أفريقية مثل كيليان مبابي في فرنسا، روميلو لوكاكو في بلجيكا، ورحيم سترلينغ في إنجلترا وغيرهم الكثير أصبحوا نجوماً عالميين يلعبون دوراً محورياً في نجاحات فرق الدول الأوروبية او انديتها .
حيث تأتي هذه النجاحات في سياق تاريخي كانت الدول الأوروبية تسيطر على الأراضي الأفريقية وتستغل مواردها . اليوم ، نرى مفارقة مثيرة للاهتمام ، أبناء هذه الشعوب المستعمَرة سابقاً يسهمون بشكل كبير في تحقيق الانتصارات والبطولات لهذه الدول ويتربع عدد منهم على عرش البطولات ويستأثرون بالأداء الكروي بنجاح .
-- باتريس لومومبا ومانديلا والمقاومة ضد الاستعمار والعنصرية ،
وهنا لا يمكن الحديث عن التحول من الاستعمار إلى التحرر والاندماج والتعاون النسبي دون ذكر شخصيات تاريخية مثل باتريس لومومبا، الزعيم الكونغولي الذي قاد بلاده نحو الاستقلال عن بلجيكا. لومومبا كان رمزاً للمقاومة الأفريقية ضد الإستعمار الأوروبي ، حيث دعا إلى الإستقلال التام ورفض السيطرة الإستعمارية مما جعله رمزاً للكفاح الوطني الديمقراطي من أجل الحرية والكرامة والاستقلال .
كانت نظرته واضحة حول ضرورة استقلال بلاده والتحرر من الاستغلال والهيمنة الأوروبية ، ولكنه دفع ثمناً باهظاً لذلك حيث تم اغتياله في عام ١٩٦١ بتورط المخابرات المركزية الأمريكية . وعلى الرغم من نهايته المأساوية تبقى رؤيته ومثاله مصدر إلهام للأجيال الأفريقية وقوى التحرر بالعالم ومنها حركتنا الوطنية الفلسطينية .

