ما البديل؟
الكاتب: احمد صيام
سجالات كثيرة ومتعددة تعصف بالساحة الفلسطينية ، الرسمية والشعبية ، منذ السابع من اكتوبر الماضي والعدوان الاسرائيلي الوحشي على قطاع غزة والذي طال البشر والحجر وشتى مناحي الحياة على مشاف شهره العاشر . سجالات توضح مدى التباين في الاراء حول هذا العدوان وما آلت اليه الامور وسط الكم الهائل من القتل والتدمير الذي لحق بالقطاع ، وامتدادته الى القدس والضفة الغربية مرورا باجراءات تعسفية بحق الاسرى وحصاراقتصادي جائر، وآخر عسكري قطع اوصال الضفة من خلال حواجز عسكرية وبوابات حديدية وسواتر ترابية ، سجالات توضح حجم الفجوة في المزاج الحزبي المنقسم على امره ، بين مؤيد للمقاومة ومعارض لها ، وصلت الى حد الهرج والمرج والتراشق الكلامي وكيل الاتهامات ، سجالات تعبر عن مدى التخبط الذي وصل الية مسؤولي الاحزاب ، دون نتائج تذكر ، في وقت يرى فيه البعض ان المقاومة بدأت تعطي ثمارها على الصعيد الدولي !! وفي المحصلة سجالات ما هي الا تعبير عن الفرقة المستمرة في الخارطة الفلسطينية الرسمية الحزبية والسياسية والجغرافية والاقتصادية ، فيما وحدة والتفاف حول المقاومة في غالبية الوسط الشعبي .
تياران بايدولوجيتين مختلفتين ، احدهما يرى ان المقاومة المسلحة وخاصة بعد معركة طوفان الاقصى قد جلبت الويل والمصائب للشعب الفلسطيني ، وقتلت عشرات الالاف وشردت الملايين ودمرت كافة المرافق السكنية والحيوية ، والحقت خسائر فادحة في البشر والحجر والشجر ، وقادت الشعب الى التهلكة ، لذلك يرون في المسار السياسي الحل الانسب ويجنب الشعب الفلسطيني المهالك ، ويرون في ما اسموه " المقاومة الشعبية السلمية " ، الطريقة الانسب لمقاومة الاحتلال ، فيما الاخر يرى في المقاومة الفخر والعزة ، والحل الافضل لمقارعة الاحتلال ودحره وصولا الى الحرية والاستقلال معتمدا على فشل المسار السلمي على مدى العقود الثلاثة الماضية ويرون فيه خنوع وذل ، والاحتلال وداعميه يحترمون القوي ويحتقرون ويستغلون الضعيف.
انقسام لا يسمن ولا يغني من فقر ولكن الفارق بدا بالاتضاح ، فان كانت المقاومة المسلحة للاحتلال وقض مضاجعه ، متهورة وغير مسؤولة وتقود الى التهلكة ، والمسار السياسي الدائر منذ اكثر من ثلاثين عاما لم يجد نفعا ، والمقاومة الشعبية ما هي الا ملهاة مفرغة المضمون ، وتلحق الضرر على ارض الواقع ونتائجهما عكسية ، ولا تقل في ضررهما – ان جاز التعبير - عن المقاومة المسلحة ، - بطبيعة الحال مع فوارق في المسارين – من حيث النتائج . فما البديل للخلاص من احتلال يتنكر لحقوق الغير ، ولا يدخر جهدا في استغلال اي فرصة واختراق اي ثغرة واستثمار كل نقطة ضعف في الجانب الاخر لتحقيق مآربه وتنفيذ مخططاته متفاخرا بقوته التي لا تقهر وجبروته الذي لا يستطيع احد الوقوف أمامه ؟؟
انعطافات عديدة ومتعرجة مرت فيها القضية الفلسطينية خلال العقود الماضية ، انتكاسات كادت تقضي عليها ، ولكن وبالرغم من قسوتها ، قدم الشعب الفلسطيني تضحيات جسام على مذبح الحرية من شهداء وجرحى واسرى ومنافي ، ولم يحن رأسه او تتحطم نفسيته او يتوقف عن المقاومة ، لايمانه بحقوقه المشروعة وعدالة قضيته بالرغم من ظلم الغريب والقريب له ، حتى ولو كان بين صفوفه من يثبط العزائم راضيا لنفسه الخنوع والذل ، الا ان الاغلبية كانت على الدوم داعمة لمقاومة الاحتلال بشتى الوسائل المتاحة .
لا يمكن لاحد ان ينكر ان هناك بعض من الانجازات قد تحققت من عملية السلام ، ولكن سرعان ما تبخرت لان اساسها كان عبارة عن شرك وقع به الفلسطينيين ، وادى الى ارباك في الحالة الفلسطينية ، ودس السم بالجسد الفلسطيني ، وتدهورت حالته من خلال اجراءات وممارسات داخلية في اغلبها مفتعلة وصنيعة من يكيدون للشعب الفلسطيني ، ودخيلة على قيم ومبادىء الشعب الفلسطيني وارثه النضالي .
وليس عيبا القول ان هناك اخفاقات واخطاء ارتكبت في العمل الفلسطيني المقاوم ، وكان هناك في بعضه تغليب للمصالح الفئوية والحزبية على حساب المصلحة الوطنية العليا ، ما ادى الى دخول الشعب في دوامات لا حصر لها ، ادت الى اضعاف مقاومته وتراجع مكانة قضيته في الاهتمامات العربية والدولية وحتى المحلية !! والاكثر الحاقا للضرر للقضية الفلسطينية كان الانقسام بين قطبي العمل الوطني الفلسطيني ( حركتي فتح وحماس ) والذي ادى الى انقسام سياسي وجغرافي واقتصادي بين شطري الوطن ، اتقن العدو استغلاله واخذ في اختراق الجبهات العربية والدولية وفكفكة دائرة التأييد للحقوق الفلسطينية ، وكان هناك اخفاق فلسطيني – قد يكون متعمدا او عن غير قصد - من الكل الفلسطيني في معالجته وابقاء الكرة في الملعب الفلسطيني بعد تنصل المجتمع الدولي من التزاماته بقبول نتائج انتخابات عام 2006 التشريعية والتي فازت بها حركة حماس ، ورفض التعاطي معها ومحاربتها وفرض حصار جائر على الشعب الفلسطيني ، والوقوع في شرك الانقسام من بعد والاقتتال الداخلي والسيطرة على سلطة هزيلة بالاساس وايدولوجية تختلف عن الاخرى لكل منهما تحكم تحت حراب الاحتلال .
وليس عيبا القول ان السلطة الحاكمة في الضفة الغربية لا حول لها ولا قوة ، وغير قادرة بما تملكه من سلاح بدائي ، وممنوع عليها استيراد اي نوع من السلاح على مقارعة الاحتلال او التصدي لممارساته الهادفة الى انهاكها والقضاء عليها ، ومع ذلك فهي تحاول جاهدة بوسائلها الدبلوماسية والتنظيمية وما اوتين من قوة ، الى ممارسة الحد الادنى من واجباتها ومهامها تجاه الذين يعيشون تحت مظلتها ، وتوفير ما امكن لتعزيز الصمود ومواجهة التحديات .
ولم يعد سرا القول ، ان ما قبل السابع من اكتوبر الماضي ليس كما بعده ، فمعركة طوفان الاقصى التي شنتها المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة حماس ، وما تبعها من ردة فعل اسرائيلية وحشية وعدوان سافر طال البشر والحجر والشجر، والصمود الاسطوري لثلة من المقاتلين بامكانيات متواضعة لا تقارن بقدرات دولة الكيان لاكثر من تسعة شهور ، قلبت الموازين كافة وغيرت المعادلات جميعها وايقظت العالم من سباته وكشفت فاشية وعنصرية دولة الكيان التي كان ينظر اليها الكثيرانها الديموقراطية الفريدة بالمنطقة والقوة الوحيدة القادرة على حماية مصالح الجميع ، واذا بها اوهن من خيط العنكبوت وغير قادرة حتى على حماية نفسها ، وما كانت لتستمر في عدوانها وحتى وجودها ، وتمعن في الوحشية ، لولا دعم القوى الغربية وبعض العربية بقيادة امريكا التي تمثل رأس الشر والشيطان الاكبر والاخطر في العالم .
وبات من الواضح ايضا ، ان طوفان الاقصى اعاد الاهتمام العالمي للقضية الفلسطينية ، وخاصة لدى الاجيال الصاعدة في المجتمع الدولي ، والتي سيقع على عاتقها رسم السياسات والاسترايجيات المستقبلية لدولهم ، والمسيرات الشعبية العارمة التي اجتاحت العواصم الغربية ، وخاصة طلبة اكبر واهم الجامعات الاوروبية والامريكية ، وثمارها اتضحت في نتائج الانتخابات التي ادت الى فوز اليسار في فرنسا ، والاطاحة بحزب المحافظين الداعم لدولة الكيان في بريطانيا واستبداله بحزب العمال المعتدل ، والاهم اقرار دول اوروبية بحقوق الفلسطينيين العادلة واعترافها بالدولة الفلسطينية وحشر دولة الكيان في زاوية تضيق مع الوقت وتدفع باتجاه عزلتها ونبذها ، ولعل حادثة المطعم في فيتنام والذي رفض استقبال عائلات اسرائيلية واسماهم قتلة الاطفال ، دليل واضح على ذلك .
وسط هذه السجالات والانقسامات في الرأي ، بات من الواضح ان الجسد الفلسطيني بحاجة الى عمليات جراحية عاجلة تعمل على استئصال الاورام الخبيثة منه ، الممتدة لاكثر من 17 عاما ، حتى يتعافى وينهض من جديد ، وعدم تفويت الفرصة السانحة ، واستثمار المتغيرات الدولية ، وما تحقق من انجازات بعد السابع من اكتوبر بما يخدم المصلحة الوطنية العليا للشعب العربي الفلسطيني وكبح جماح المتربصين الداعين الى قيادة بديلة للشعب الفلسطيني ، والشروع باجراءات وحدوية جماعية تتجاوز بيانات الادانة والاستنكار التي لا تساوي الحبر الذي كتب بها والتصدي بشكل موحد للمخططات الاسرائيلية وتجاوز اتفاقيات اوسلو التي عفى عليها الزمن وتنصلت منها دولة الكيان ، والتوجه نحو تشريع الدولة الفلسطينية المستقلة وفق ما اقرته الشرعية الدولية .

